في اليوم العالمي للتصحر.. من يوقف زحف الصحراء نحو أحلامنا؟

التصحر ليس مجرد رمال تزحف على أطراف القرى، بل هو زحف بطيء نحو الفقر والجوع والنزوح والانهيار الاقتصادي.

في اليوم العالمي للتصحر.. من يوقف زحف الصحراء نحو أحلامنا؟

✍🏻الأستاذة مهيرة حسن

في السابع عشر من يونيو من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف، بينما تقف دول كثيرة أمام هذا الخطر وهي تمتلك الإمكانيات لمواجهته. أما نحن في السودان، فإن القضية ليست مجرد مناسبة عالمية تُكتب عنها المقالات أو تُرفع فيها الشعارات، بل هي معركة وجود ترتبط بالأرض والماء والغذاء والإنسان.

التصحر ليس مجرد رمال تزحف على أطراف القرى، بل هو زحف بطيء نحو الفقر والجوع والنزوح والانهيار الاقتصادي. إنه العدو الصامت الذي لا يسمع له صوت، لكنه يترك خلفه أرضاً جرداء وحقولاً يابسة ومراعٍ منهكة وأحلاماً مؤجلة.

السودان، الذي منحه الله ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة وثروات طبيعية هائلة، يجد نفسه اليوم أمام تحديات بيئية متراكمة بسبب التغيرات المناخية، والقطع الجائر للأشجار، والرعي غير المنظم، وضعف برامج التشجير، وغياب التخطيط البيئي المستدام في كثير من المناطق.

المؤلم أن التصحر لا يهدد البيئة وحدها، بل يهدد الأمن الغذائي بصورة مباشرة. فعندما تتدهور الأراضي الزراعية تقل الإنتاجية، وعندما تجف المراعي تتأثر الثروة الحيوانية، وعندما ينخفض الإنتاج ترتفع الأسعار ويتضرر المواطن البسيط الذي أصبح يواجه أعباء الحياة من كل اتجاه.

ولعل أخطر ما في الأمر أن التصحر لا ينتظر انتهاء الحروب أو استقرار الأوضاع السياسية. فهو يواصل تمدده كل يوم، مستغلاً غياب المعالجات الجادة والتدخلات المستدامة. بينما تنشغل الحكومات والأفراد بقضايا أخرى، تستمر الأرض في إرسال إشارات الاستغاثة.

إن مكافحة التصحر ليست مسؤولية وزارة بعينها، بل مسؤولية وطن كامل. تبدأ من حماية الأشجار، وترشيد استخدام الموارد الطبيعية، وتشجيع مشاريع الحزام الأخضر، وتبني تقنيات الزراعة الحديثة، وإشراك المجتمعات المحلية في حماية بيئتها ومصادر رزقها.

وفي هذا اليوم العالمي، لا نحتاج إلى خطابات مطولة بقدر ما نحتاج إلى أفعال حقيقية. نحتاج إلى أن تتحول قضية البيئة من هامش الاهتمام إلى صدارة الأولويات الوطنية. فالدول التي تحافظ على أرضها اليوم، تحافظ على مستقبل أجيالها غداً.

إن التصحر ليس قدراً محتوماً، لكنه نتيجة يمكن تغييرها إذا توفرت الإرادة والرؤية والعمل. والسودان الذي عرفته الدنيا سلة غذاء واعدة، قادر على استعادة عافيته البيئية والزراعية متى ما التقت الإرادة السياسية مع وعي المجتمع وجهود المختصين.

وفي الختام، يبقى السؤال الذي يجب أن يؤرق الجميع:

إذا كانت الجيوش تحمي الحدود، فمن يحمي التربة؟ وإذا فقدنا الأرض الخصبة، فبأي مستقبل سنطعم أبناءنا؟

إن معركة التصحر ليست معركة البيئة وحدها، بل معركة الوطن كله. ومن لا يدافع عن أرضه اليوم، قد لا يجد غداً أرضاً يدافع عنها.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English