الاستثمار في ولاية النيل الأبيض.. التنمية المطلوبة وحماية البيئة مسؤولية مشتركة

ما أُثير مؤخراً حول الاستثمارات والمشروعات الجديدة في ولاية النيل الأبيض استوقفني

الاستثمار في ولاية النيل الأبيض.. التنمية المطلوبة وحماية البيئة مسؤولية مشتركة

✍️ عبد الماجد مردس أحمد

خبير الصحة العامة وصحة البيئة – MRSPH

ما أُثير مؤخراً حول الاستثمارات والمشروعات الجديدة في ولاية النيل الأبيض استوقفني، ليس باعتباره موقفاً من دولة أو شركة أو مستثمر بعينه، وإنما بوصفه قضية بيئية وصحية وتنموية تستحق أن تُناقش بعقل بارد، وبالاستناد إلى الوثائق والخبرة.

وأقول ذلك من موقع الشاهد المهني والباحث؛ فقد أُتيحت لي، خلال مسيرتي المهنية، فرصة المشاركة في ملفات مرتبطة بتقييم الآثار البيئية والصحية لقطاعات النفط والتعدين والتعدين الأهلي. كما كنت ممثلاً لوزارة الصحة الاتحادية ضمن الهيئة الاستشارية لجامعة الخرطوم، بما في ذلك ملفات وقطاعات عملت فيها شركات صينية وغيرها.

ومن واقع هذه التجربة، تعلمت أن المشروع الاستثماري لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط من زاوية حجم الاستثمار، أو عدد فرص العمل التي يوفرها، أو الزخم الإعلامي المصاحب له. فهناك سؤال آخر، أكثر أهمية، يجب أن تكون الإجابة عنه واضحة: ماذا سيترك المشروع وراءه؟

هل سيترك بيئة أفضل أم أعباءً بيئية؟ وهل سيحافظ على مصادر المياه أم يضغط عليها؟ وهل سيحمي التربة واستخدامات الأراضي أم يُحدث فيها تغييرات يصعب إصلاحها؟ وماذا عن النفايات والمخلفات والانبعاثات؟ وماذا عن صحة العاملين والمجتمعات المحيطة؟ ثم ماذا عن الأثر التراكمي إذا تعددت المشروعات في المنطقة نفسها؟

هذه أسئلة جوهرية لا يمكن تجاوزها عند التخطيط لأي مشروع تنموي كبير، وهي ما يجعل دور الجهات البيئية والصحية المختصة أساسياً في اتخاذ القرار الاستثماري.

دور المؤسسات البيئية والصحية..من التخطيط إلى الرقابة

في هذا السياق، أرى أن وزارة البيئة الاتحادية والجهات الولائية المختصة لا ينبغي أن تقتصر أدوارها على مرحلة ما بعد اتخاذ قرار الاستثمار، بل يجب أن تكون حاضرة منذ مرحلة التخطيط والتقييم والموافقة، وصولاً إلى الرقابة والمتابعة أثناء التنفيذ والتشغيل.

كما أن وجود المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية بولاية النيل الأبيض، الذي صدر قرار بتكوينه، يثير مجموعة من التساؤلات المهنية المشروعة حول دوره الفعلي في هذه المرحلة.

هل يمتلك المجلس الاختصاصات والأدوات والكوادر التي تمكنه من مراجعة المشروعات الكبرى ومتابعة آثارها؟ وما موقع الصحة العامة وصحة البيئة ضمن هذه المنظومة؟

إن تقييم الأثر البيئي لا ينبغي أن ينفصل عن تقييم الآثار الصحية والاجتماعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمياه والغذاء والنفايات والتلوث والصحة المهنية واستخدامات الأراضي، أو ما قد يترتب على المشروعات من انتقال للسكان أو تغير في أنماط حياتهم.

فالمسألة لا تتعلق بالبيئة وحدها، وإنما بصحة الإنسان وسلامة المجتمع واستدامة الموارد التي تقوم عليها حياة السكان وأنشطتهم الاقتصادية.

المستثمر الأجنبي.. المعيار هو الالتزام لا الجنسية

أما فيما يتعلق بالمستثمر الصيني، فلا أرى أن جنسية المستثمر وحدها تصلح معياراً للحكم على المشروع أو تقييم آثاره. فالصين دولة كبرى، ولها استثمارات وتجارب متعددة في أفريقيا والسودان.

ومن ثم، فإن الموقف المهني الصحيح، في رأيي، لا يقوم على الرفض المسبق ولا على القبول المسبق، وإنما على مجموعة من الأسس الواضحة: الدراسة، والتدقيق، والشفافية، وتقييم الأثر، والاشتراطات الواضحة، والرقابة، والمتابعة.

فالمعيار الحقيقي ينبغي أن يكون مدى التزام المستثمر بالمعايير البيئية والصحية، ومدى احترامه للقوانين والاشتراطات الوطنية، وقدرته على تنفيذ مشروع يحقق عائداً اقتصادياً دون أن يحمّل المجتمع والبيئة تكاليف باهظة.

دراسات وتجارب سابقة ينبغي ألا تُهمل

لدينا في السودان دراسات سابقة وتجارب موثقة وأوراق بحثية تناولت آثار الاستثمارات والأنشطة الاستخراجية، بما في ذلك قطاعات النفط والتعدين. ومن الحكمة الرجوع إلى هذه الدراسات والاستفادة من نتائجها قبل اتخاذ قرارات جديدة، بدلاً من البدء من الصفر في كل مرة.

وأقول ذلك لأنني حضرت في وقت سابق سمنارات ولقاءات علمية متخصصة قُدمت فيها أوراق ودراسات حول هذه الملفات، تناول بعضها تجارب السودان وأفريقيا وعلاقة الشركات الأجنبية بقطاعات الموارد الطبيعية.

لكنني، التزاماً بأمانة القلم، لا أريد أن أحوّل ما أتذكره من تلك الدراسات إلى اتهامات لأشخاص أو شركات دون الرجوع إلى الوثائق الأصلية والتحقق من نتائجها وسياقاتها.

فالبحث العلمي لا يقوم على الانطباعات، والشهادة المهنية لا تستقيم دون الاستناد إلى الأدلة والمعلومات الموثقة.

إلى حكومة ولاية النيل الأبيض.. سلامة القرار قبل سرعة الإنجاز

رسالتي إلى حكومة ولاية النيل الأبيض واضحة: التنمية والاستثمار مطلوبان، والولاية تحتاج إلى الموارد وفرص العمل وإعادة البناء. لكن ينبغي ألا تسبق سرعة الإنجاز سلامة القرار.

وقبل تمليك الأراضي أو تخصيصها، وقبل الدخول في مشروعات النفط أو التعدين أو الزراعة أو الصناعة، أو أي نشاط كبير يُحتمل أن تكون له آثار بيئية، لا بد من طرح أسئلة أساسية:

أين دراسة الأثر البيئي والصحي؟

ما حجم المياه التي يحتاج إليها المشروع، وما أثر ذلك على مصادر المياه المتاحة؟

ما طبيعة الأراضي المستهدفة، وكيف ستتأثر استخداماتها؟

كيف ستُدار النفايات والمخلفات والانبعاثات؟

ما التدابير المتخذة لحماية صحة العاملين والمجتمعات المحلية؟

هل جرى التشاور مع المجتمعات المحلية وأُخذت مصالحها في الاعتبار؟

ما خطة الرقابة والمتابعة بعد بدء التشغيل؟

ومن يتحمل المسؤولية إذا ظهرت آثار لم تكن محسوبة؟

هذه ليست أسئلة لتعطيل الاستثمار أو عرقلة التنمية، بل هي أسئلة لحماية الاستثمار نفسه، وضمان استمراره، والحد من المخاطر التي قد تتحول لاحقاً إلى أعباء اقتصادية وصحية وبيئية يصعب تداركها.

إن الاستثمار الناجح ليس مجرد مشروع يُقام ويبدأ الإنتاج، وإنما مشروع يحقق أهدافه الاقتصادية، ويحترم البيئة، ويحمي صحة الإنسان، ويراعي حقوق المجتمعات المحلية، ويترك أثراً إيجابياً قابلاً للاستمرار.

وأقولها من واقع مهني وبحثي، لا من خصومة مع أحد:

لا نُدين أحداً بلا بيّنة، ولا نُجيز مشروعاً بلا دراسة.

فالقلم أمانة، والبحث أمانة، والشهادة المهنية أمانة.

والله رقيب عتيد.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English