مؤتمر المناخ (COP31): من التفاوض إلى تنفيذ اتفاقيات الأمم المتحدة
تتشرّف تركيا باستضافة مؤتمر المناخ COP31 في مرحلة محورية للانتقال من التفاوض إلى التنفيذ.
مؤتمر المناخ (COP31) : من التفاوض إلى تنفيذ اتفاقيات الأمم المتحدة

د.عيسى عبداللطيف
«تتشرّف تركيا باستضافة مؤتمر المناخ COP31 في مرحلة محورية للانتقال من التفاوض إلى التنفيذ. ندعو جميع الأطراف إلى تعزيز التعاون وترجمة الالتزامات إلى عمل ملموس».
بهذه الرسالة، يلفت الرئيس رجب طيب أردوغان الأنظار إلى تحدٍّ يواجه المجتمع الدولي، يتمثل في أن قيمة الاتفاقيات تتجلى في التغيير الفعلي الذي تُحدثه.
على مدى عقود، وفّرت الأمم المتحدة منبرًا تلتقي فيه الدول للتفاوض وإبرام الاتفاقيات والتعهد بالالتزامات بشأن قضايا تتجاوز الحدود الوطنية. وترسي هذه الاتفاقيات أهدافًا ومبادئ مشتركة، لكن التوصل إلى توافق ليس سوى البداية. أما الاختبار الحقيقي، فيتمثل في مدى قدرة الحكومات والقطاعات الصناعية والتجارية والمجتمعات على تحويل الوعود إلى إجراءات فعلية وإنجازات مستدامة.
ومع ذلك، ظلّت الفجوة بين التفاوض والتنفيذ قائمة لأكثر من ثلاثة عقود. ويعود جانب كبير من ذلك إلى بقاء المسؤولية في أيدي السياسيين وقادة الصناعة والتجارة، في حين لم تُتح للفئات الأكثر تأثرًا بالتحديات العالمية فرص كافية للاطلاع والمشاركة في صنع القرارات. فقد تُعتمد السياسات في الاجتماعات الدولية، لكن نجاحها يتوقف على ما يجري في المنازل وأماكن العمل والمدارس والمؤسسات المحلية، وفي حياة المجتمعات اليومية.
وغالبًا ما يُختصر مسار العمل المشترك في ثلاث مراحل: الحوار، والتوافق، والعمل. فالحوار يتيح فهم وجهات النظر المختلفة، والتوافق يؤسس لالتزامات مشتركة، والعمل يضع تلك الالتزامات موضع التنفيذ. وعلى أهمية هذه المراحل، فإنها لا تكتمل من دون وعي المجتمع ومشاركته.
يحتاج الناس إلى فهم أهمية الاتفاقيات وأثرها في حياتهم، وإلى وسائل ميسّرة تتيح لهم الإسهام في اتخاذ القرارات وتنفيذها. وحين يكون المجتمع واعيًا ومشاركًا، تزداد فرص صياغة سياسات تراعي ظروفه المحلية، وتحظى بثقته، وتستمر رغم تعاقب الحكومات. كما قد تكشف المشاركة المجتمعية عن عقبات تغيب عن النقاشات الوطنية والدولية.
وهذا يستدعي إيلاء مزيد من الاهتمام لما يمكن تسميته «العتاد البشري» (HUMANWARE)، الذي يشمل وعي المجتمعات، والأخلاق والقيم، والسلوك العام، وأنماط الاستهلاك التي تدعم أساليب عيش أكثر استدامة، إلى جانب دور القيادة والتعاون في تشجيع المشاركة. ومن شأن الاهتمام بهذا البعد البشري أن يعزز الروابط المجتمعية، وينمّي المعارف والمهارات والدافعية اللازمة للتنفيذ.
إن تنفيذ الاتفاقيات، إلى جانب القوانين والتمويل والمؤسسات والتكنولوجيا، يتطلب مواطنين يمتلكون المعرفة والإرادة والقدرة على العمل، ومنظمات محلية تربط السياسات بالممارسة، وقيادات تستمع إلى احتياجات الناس وتستجيب لها. ولا يحل الاهتمام بالبعد البشري محل مسؤولية الحكومات، بل يساعدها على الاضطلاع بها بمشاركة أوسع وفاعلية أكبر.
ويمكن للأمم المتحدة والدول الأعضاء تعزيز تنفيذ الاتفاقيات من خلال الاستثمار في التعليم والتوعية، وإتاحة التواصل المفتوح، والتشاور مع المجتمعات المحلية، وبناء شراكات مع منظمات المجتمع المدني. وينبغي ألا يقتصر قياس التقدم على التعهدات المعلنة أو السياسات المعتمدة، بل أن يشمل أيضًا ما يلمسه الناس من تحسن في حياتهم، ومدى مشاركتهم في تحديد مسار هذا التحسن.
لن يتحقق الانتقال من التفاوض إلى التنفيذ، ومن إعلان الالتزامات إلى تحقيق إنجازات فعلية، بمجرد إصدار وثيقة جديدة في ختام المؤتمر؛ إذ يتطلب ذلك تعاونًا يتجاوز قاعات المؤتمرات، ويشمل الناس الذين ستؤثر القرارات في حياتهم. وحين يصبح الوعي والمشاركة المجتمعية جزءًا أصيلًا من الحوار والتوافق والعمل، يصبح المجتمع الدولي أقدر على ترسيخ الالتزامات وتحويل اتفاقيات الأمم المتحدة إلى عمل ملموس ومستدام في مختلف أنحاء العالم.


