العالم يحتفي بالوقاية.. والسودان يدفع ثمن الكوارث
العالم يحتفي بالوقاية.. والسودان يدفع ثمن الكوارث
د. جلال محمد ياسين

في الثالث عشر من أكتوبر من كل عام، يحتفي العالم باليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث، الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1989 لتعزيز ثقافة الوقاية والاستعداد وتقليل الخسائر البشرية والمادية. لكن هذه المناسبة في السودان ليست مجرد يوم عالمي عابر، بل تذكير بواقع تتداخل فيه كوارث الطبيعة مع كوارث الحرب، وتتضاعف فيه معاناة الناس حين تغيب الاستعدادات وتضعف الخدمات.
من الفيضانات والسيول إلى الجفاف والتصحر، ومن تدهور الأراضي الزراعية والمراعي إلى الأزمات الصحية والغذائية التي فاقمتها الحرب، تتعدد المخاطر التي تهدد الإنسان السوداني ومصادر رزقه. غير أن الكارثة لا تصنعها الطبيعة وحدها؛ فكثيراً ما يضاعفها سوء التخطيط، وتدهور البيئة، وغياب الإنذار المبكر، وضعف البنية التحتية.
وكما يقول المثل الشعبي: «الوقاية خير من العلاج». فصيانة المصارف قبل الخريف، وتحديد المناطق الآمنة للسكن، وحماية الغطاء النباتي، وتوفير التحذيرات المبكرة، كلها إجراءات قد تمنع خسائر كان يمكن تجنبها. أما انتظار انحسار المياه ثم حصر المنازل المنهارة، أو انتظار الجفاف حتى يفقد المزارع محصوله، فذلك يعني دفع ثمن الإهمال مرتين.
وقد جعلت الحرب في السودان مهمة الحد من المخاطر أكثر تعقيداً؛ إذ دمرت البنية التحتية، وشردت ملايين السكان، وضغطت على المياه والخدمات الصحية والصرف الصحي في مناطق النزوح والاستضافة. ولم تعد آثارها مقتصرة على ما دمرته المعارك، بل امتدت إلى الزراعة والغابات والمراعي وسبل العيش. لذلك، فإن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تعيد بناء ما تهدم فحسب، بل أن تعالج أسباب الهشاشة التي جعلت المجتمعات أكثر عرضة للخطر.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل حماية الإنسان عن حماية البيئة. فالغابات والمراعي والأراضي الرطبة تؤدي دوراً مهماً في حماية التربة وتنظيم المياه ودعم الأمن الغذائي. واستعادتها، إلى جانب تطوير حصاد مياه الأمطار والزراعة المتكيفة مع المناخ، استثمار في سلامة المجتمعات وقدرتها على الصمود.
كما أن مسؤولية الوقاية لا تقع على المواطنين وحدهم؛ فالدولة مطالبة بالتخطيط السليم، وصيانة البنية التحتية، وتوفير المعلومات والإنذار المبكر، وإدماج مخاطر الكوارث في مشروعات إعادة الإعمار. وللإعلام دور أساسي في نشر الوعي والتحذيرات الموثوقة، ومراقبة الاستعدادات، ونقل تجارب المجتمعات في مواجهة الأزمات.
إن الحكمة الشعبية التي تقول «درهم وقاية خير من قنطار علاج» تختصر جوهر الاستدامة في أبسط صورها. فالسودان، وهو يواجه آثار الحرب وتقلبات المناخ، يحتاج إلى الانتقال من الاستجابة بعد وقوع الكارثة إلى الاستعداد قبلها، ومن معالجة الخسائر إلى تقليل أسبابها.
فليس الإنجاز أن نحصي الخسائر بعد الكارثة، بل أن نمنع ما استطعنا منها قبل وقوعها؛ فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بما نبنيه اليوم فقط، وإنما أيضاً بما نحميه من الانهيار غداً.


