حين تُستنزف الأرض: البيئة المنسية في حرب السودان

عادةً ما تُقاس كلفة الحروب بعدد الضحايا والمباني المهدمة وحجم الخسائر المالية المباشرة، بينما تمضي خسائر البيئة في صمت، رغم أنها تمس أساس بقاء الناس وقدرتهم على الاستمرار بعد توقف المدافع.

حين تُستنزف الأرض: البيئة المنسية في حرب السودان

ا.د طلعت دفع الله عبد الماجد

خبير بيئة وغابات واستاذ جامعي بالمعاش

 

عادةً ما تُقاس كلفة الحروب بعدد الضحايا والمباني المهدمة وحجم الخسائر المالية المباشرة، بينما تمضي خسائر البيئة في صمت، رغم أنها تمس أساس بقاء الناس وقدرتهم على الاستمرار بعد توقف المدافع.

وفي السادس من نوفمبر، الذي حددته الأمم المتحدة يوماً دولياً لمنع استخدام البيئة في الحروب والنزاعات، ذكّر خبير البيئة والموارد الطبيعية الأستاذ هاشم محمد الحسن عبر أثير الإذاعة السودانية بحقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: البيئة ليست مجرد مساحة تتحرك فيها الجيوش، بل هي «الوسط المحيط بالإنسان»، بكل ما فيه من هواء نترسمه، وتربة نزرعها، ومياه نشرب منها، وغابات ومراعٍ وحياة برية وثروة حيوانية تحفظ توازن العيش. فإذا تداعى هذا الوسط، تداعت معه شروط الحياة نفسها.

كيف تحرق الحرب مقومات الطبيعة؟

تؤثر العمليات العسكرية في البيئة عبر طريقين: أحدهما مباشر ومفاجئ، والآخر بطيء ومستمر.

فالمقذوفات والانفجارات وحرائق الغابات لا تكتفي بتدمير مواقعها، بل تطلق غازات وملوثات كيميائية تفسد نقاء الهواء، وترفع من تركز الكربون، وتترك في التربة والمياه مواد سامة وذخائر غير منفجرة تعطل استغلال الحقول وتتحول إلى شراك قاتلة للمزارعين والرعاة.

أما الخطر الأوسع فيأتي عبر الضغوط غير المباشرة التي يفرزها النزاع؛ وحين تنقطع شبكات الإمداد ويغيب الغاز وتتوقف الكهرباء، يجد مئات الآلاف من النازحين والسكان أنفسهم مضطرين للعودة إلى الحطب والفحم النباتي لطهي طعامهم. ومع غياب الحراسة وتراجع سيادة القانون، تنشط تجارة الفحم الجائر، لتتحول مساحات شجرية كاملة في أيام قليلة إلى جذوع يابسة.

ويكفي النظر إلى ما جرى في «غابة السنط» بقلب الخرطوم لندرك حجم الكارثة؛ فهذه الغابة التاريخية الواقعة عند ملتقى النيلين لم تكن مجرد بقعة جميلة، بل كانت رئة طبيعية للمدينة، ومصدّاً يكسر اندفاع فيضان النيل الأبيض، ومستقراً لمئات الطيور المهاجرة. وقد أدت سنوات الحرب إلى تجريف واسع لأشجارها بالفؤوس والمناشير، حتى بدت أجزاء كبيرة منها كحقول من الجذوع المقطوعة

وهنا يؤكد الأستاذ هاشم أن التفكير في إعادة إعمار هذه الغابة بعد الحرب لا ينبغي أن يقف عند زراعتها بالطريقة القديمة، بل بالتخطيط لها لتصبح غابة نموذجية: تجمع بين حماية شاطئ النيل، والإنتاج المدروس، وفتح متنفس طبيعي لأهل العاصمة.

المراعي والحياة البرية: أصول قومية تُهدر

يمتد الدمار إلى الريف السوداني؛ حيث تعتمد غالبية الأسر على الماشية والرعي. ومع انتشار المعارك وقطع المسارات الطبيعية، تكدست آلاف الرؤوس من الإبل والأبقار والضأن في مساحات ضيقة ومتباعدة، مما جلب رعيّاً جائراً وأجهد الأعشاب ونشر أمراضاً فتكت بالقطعان.

وعلى الضفة الأخرى، تدفع الحياة البرية ثمناً فادحاً؛ فالمحميات الطبيعية، وفي مقدمتها محمية الدندر التي تُعد إحدى أقدم وأكبر المحميات في قارة إفريقيا ، ظلت لقرن من الزمان كنزاً قومياً يحفظ حيوانات وطيوراً نادرة ومجاري مائية وغابات كثيفة.

لكن اقتراب نيران المعارك، وانتشار السلاح، وتراجع دوريات الحماية الرسمية، قاد إلى صيد جائر وإزعاج مستمر أجبر قطعاناً كاملة من الظباء والحيوانات البرية على الفرار واللجوء عبر الحدود نحو إثيوبيا. وهذا النزوح لا يعني فقدان مشاهد طبيعية، بل خسارة أصول قومية وثروة جينية وتنوع بيولوجي استغرق بناؤه قروناً طويلة ويصعب تعويضه

ضعف الحماية وغياب الإرادة: أصل العلة

يمتلك السودان إدارات متخصصة وقوانين جيدة في مجالات الغابات والمراعي وحماية التربة والحياة البرية، غير أن المشكلة، كما شخصها الأستاذ هاشم من واقع خبرته الطويلة في جهاز الدولة، تكمن في أن الموارد الطبيعية ظلت لعقود طويلة خارج دائرة أولويات الإنفاق والاهتمام الحقيقيين.

فالمؤسسات قائمة، وتملك لوائح واضحة، لكن اليد التنفيذية التي تفرض القانون وتمنع التعدي وتصون المورد ظلت ضعيفة ومحدودة الإمكانات الميدانية.

لذلك، لا يستقيم الحديث عن التعافي الوطني وإعادة الإعمار بمجرد إحصاء المباني والجسور، في حين تُترك الأرض التي تغذي الجميع متدهورة؛ فإصلاح البيئة هو خط الدفاع الأول للأمن الغذائي واستقرار الأسر العائدة إلى قراها ومزارعها.

خارطة عمل للمستقبل

لتجاوز هذا النزيف واستعادة عافية الموارد، تبرز ثلاث خطوات أساسية:

إعادة الاعتبار الإداري للموارد الطبيعية: جمع شتات القطاع داخل هيكل وزاري واضح، يحمل مسمى صريحاً مثل «وزارة الزراعة والموارد الطبيعية»، ويكون للموارد الطبيعية وكيلٌ كامل الصلاحيات يحمي الغابات والمراعي والتربة من أن تبتلعها مشروعات التوسع الزراعي غير المدروس، ويضمن التوازن بين الغذاء والحفاظ على الطبيعة.

بناء «السياج الاجتماعي» وتعزيز الشراكة المجتمعية: الاعتماد الحقيقي على المجتمعات المحلية المحيطة بالغابات والمراعي بوصفها الحارس الأول للمورد والشريك الأصيل في إدارته وحمايته، بدلاً من حصرها في خانة المستهلك أو المعتدي؛ وذلك بتفعيل دور الإدارات الأهلية ولجان القرى، وضمان تقاسم عادل للمنافع، وتحويل الحماية المجتمعية إلى سياج شعبي واعٍ يمنع القطع الجائر والتعديات العشوائية.

وضع البيئة في قلب برامج التعافي: جعل تطهير الأراضي والمصادر المائية من مخلفات السلاح، وإعادة بذر المراعي، وتشجير الغابات المستنزفة، مشاريع قومية تبدأ فور هدوء الأحوال، لأن استقرار المزارع والراعي يبدأ من سلامة أرضه ومائه.

إن حماية الشجرة والمشرب والمرعى في السودان ليست موضوعاً هامشياً يؤجل إلى وقت الرخاء، بل هي جوهر البقاء الإنساني والضمانة الحقيقية لأن يجد السودانيون غداً وطناً صالحاً للعيش والإنتاج

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English