سبل العيش: من الإغاثة الطارئة إلى التمكين الاقتصادي المستدام
من الإغاثة إلى التمكين.. سبل العيش في قلب التعافي الاقتصادي
في السودان، تفرض مرحلة التعافي الانتقال تدريجياً من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى استعادة سبل العيش وبناء القدرة على الإنتاج. ويتقاطع ذلك مع الحوار الجاري حول التعافي الاقتصادي ودور القطاع الخاص في إعادة تنشيط الأسواق والإنتاج وخلق فرص العمل، خاصة للمجتمعات المحلية والشباب والنساء والمشروعات الصغيرة.
وفي هذا السياق، نقدم مقال المهندس زكريا مطير، الذي يطرح رؤية مهمة للانتقال من الدعم المؤقت إلى التمكين الاقتصادي المستدام، وربط الأسر والمشروعات بالأسواق وسلاسل القيمة، بما يجعل سبل العيش جزءاً من دورة اقتصادية حقيقية لا مجرد استجابة للأزمة
سبل العيش: من الإغاثة الطارئة إلى التمكين الاقتصادي المستدام

م. زكريا مطير
بين الإغاثة وسبل العيش: ضرورة التمييز
الإغاثة الإنسانية وُجدت لتلبية الاحتياجات العاجلة في الأزمات والكوارث، وهي ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. لكنها تبقى استجابة مؤقتة، وظيفتها الأساسية حماية الحياة. أما مشاريع سبل العيش فهي استثمار طويل المدى يهدف إلى إعادة إدماج الأسر في الدورة الاقتصادية، وتعزيز قدرتها على الاعتماد على الذات، وتقليل هشاشتها أمام الأزمات المستقبلية.
التمييز بين المجالين أمر جوهري: فبينما تقدم الإغاثة الغذاء أو النقود لتأمين احتياجات قصيرة الأجل، تعمل سبل العيش على خلق مصادر دخل مستدامة تعيد للأفراد والأسر ثقتهم بقدرتهم على الإنتاج والمشاركة في المجتمع.
التحديات القائمة
رغم وضوح هذا الفرق نظريًا، إلا أن التطبيق العملي يكشف عن تداخل مقلق:
برامج إغاثية بمسمّيات تنموية: بعض التدخلات تُصمّم وكأنها “سلة غذائية” جديدة، لكن باسم مختلف (منحة، معدّة، تدريب قصير)، فتبقى نتائجها مؤقتة.
هيمنة المؤشرات الكمية: التركيز على عدد المستفيدين أو كلفة الفرد جعل كثيرًا من المشاريع تفقد الرؤية بعيدة المدى.
غياب الارتباط بالاقتصاد المحلي: دعم الأفراد دون ربطهم بالأسواق أو سلاسل الإنتاج يجعل المشاريع معزولة وغير قادرة على الصمود.
الأسرة كوحدة اقتصادية
الخطأ الأكثر شيوعًا هو النظر إلى المستفيد كفرد منعزل. في الواقع، الأثر الحقيقي لمشاريع سبل العيش يتحقق على مستوى الأسرة كوحدة اجتماعية واقتصادية.
فحين يحصل رب الأسرة على فرصة عمل أو مشروع صغير، ينعكس الأثر على الأسرة كلها: تحسين تعليم الأطفال، تغطية النفقات الصحية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. والأسرة نفسها تتحول إلى فاعل اقتصادي: تشتري وتبيع وتوظّف وتشارك في السوق المحلي.
بمعنى آخر، المستفيد ليس شخصًا واحدًا، بل شبكة علاقات اجتماعية واقتصادية تتأثر وتؤثر في المجتمع الأوسع.
ثغرات التصميم في البرامج التنموية
رغم التمويلات الكبيرة المخصصة لهذا القطاع، ما تزال كثير من البرامج تعاني من ثغرات أساسية تحدّ من أثرها:
1. التركيز على الفئات الأقل خبرة دون تمهيد كافٍ
غالبًا ما يتم استهداف شباب بلا خبرة عملية أو حديثي التخرج وتكليفهم بمشاريع عالية المخاطر. لكن إطلاق مشروع ناجح يحتاج إلى مهارات في إدارة الأعمال، التسويق، المبيعات، وهي غالبًا مفقودة عند هذه الفئة، ما يجعل المشروعات قصيرة العمر.
2. الاستهداف بمعيار “الهشاشة” فقط
برامج كثيرة تختار المستفيدين بناءً على كونهم فقراء أو لاجئين أو نساء معيلات. ورغم أهمية هذا الاعتبار الإنساني، إلا أن غياب معايير إضافية مثل القدرة على الالتزام والجاهزية يحوّل المشاريع إلى مساعدات خيرية قصيرة المدى، بدل أن تكون استثمارًا اقتصاديًا.
3. سطحية التدخلات وضعف التدريب
الورش القصيرة والمسابقات الملهمة لا تكفي. كثير من البرامج تفتقر إلى محتوى تدريبي عملي مرتبط بالسوق، وأحيانًا يقودها مدربون غير ملمين بالواقع الاقتصادي المحلي. النتيجة: مستفيدون بلا أدوات حقيقية للنجاح.
4. غياب الاندماج مع الاقتصاد المحلي
توزيع معدات أو منح مالية دون التفكير في الطلب الفعلي في السوق يؤدي إلى مشاريع معزولة. مثال ذلك: دعم مشاريع خياطة أو متاجر صغيرة في بيئات مكتظة بالمنافسة، دون ربطها بقنوات توزيع أو عقود توريد.
5. ضعف العدالة في توزيع التمويل
رغم الحديث عن الشمول، تكشف البيانات أن النساء حصلن فقط على 2% من استثمارات رأس المال الجريء في المنطقة عام 2022. كذلك، تبقى المناطق المتأثرة بالنزاعات خارج دائرة التمويل، ما يعمّق الفجوة بدل تقليصها.
6. الخلط بين أنماط المشاريع الاقتصادية
برامج كثيرة تخلط بين التمويل الأصغر، المشاريع متناهية الصغر، المشاريع الصغيرة والمتوسطة (SMEs)، والشركات الناشئة (Startups). لكل فئة احتياجات مختلفة: الأولى تحتاج استقرارًا محليًا، بينما الناشئة تحتاج إلى رأس مال جريء وبيئة تشريعية داعمة. هذا الخلط يؤدي إلى تدخلات غير ملائمة وضعيفة الأثر.
من الكمّ إلى الأثر المستدام
إعادة الاعتبار لمفهوم سبل العيش لا تتحقق عبر مضاعفة أعداد المستفيدين أو زيادة قيمة المنح، بل عبر تغيير فلسفة التدخلات نفسها. فالتحول المطلوب يتجسد في ثلاثة مسارات أساسية:
من الأرقام السريعة إلى الأثر طويل الأمد
لم يعد كافيًا أن تُقاس البرامج بعدد المستفيدين أو كلفة الفرد الواحد.
المؤشرات الأهم هي: عدد المشاريع التي استمرت بعد انتهاء فترة الدعم، نسبة المستفيدين الذين انتقلوا من الاعتماد على المنح إلى الاعتماد على الدخل الذاتي، وحجم مساهمة هذه المشاريع في السوق المحلي.
من الفرد المنعزل إلى الأسرة والمجتمع كوحدة اقتصادية
دعم شخص واحد دون النظر إلى أسرته يضعف الأثر.
المطلوب أن يُنظر إلى الأسرة باعتبارها وحدة إنتاج واستهلاك معًا، وأن تُدمج المشاريع في نسيج المجتمع المحلي بحيث تولّد أثرًا مضاعفًا: تحسين التعليم، تعزيز الصحة، وخلق فرص عمل ثانوية.
من المنح القصيرة إلى الاندماج في السوق وسلاسل القيمة
المنحة المالية أو المعدّة البسيطة لا تكفي لإطلاق مسار اقتصادي ناجح.
المطلوب هو ربط المستفيدين بالأسواق القائمة وسلاسل القيمة الإنتاجية: عقود شراء مع شركات، وصول إلى منصات تسويق إلكتروني، شراكات مع تعاونيات، أو إدماج في شبكات الإنتاج الزراعي والصناعي.
بهذا تصبح مشاريع سبل العيش جزءًا من دورة اقتصادية حقيقية، لا مجرد مبادرات معزولة.
هذا التحول يتطلب أيضًا تغييرًا في معايير التقييم لدى المانحين والمنظمات، بحيث يتم التركيز على الاستدامة والنتائج النوعية بدلًا من مجرد الأعداد.
خلاصة القول
سبل العيش ليست إغاثة. هي استثمار في الأسرة والمجتمع والاقتصاد المحلي.
كل أسرة ندعمها ليست مجرد رقم في تقرير، بل حلقة فاعلة في دورة اقتصادية واجتماعية متكاملة. النجاح لا يُقاس بعدد ما وُزّع من منح وأدوات، بل بقدرة الأسر على الاستمرار بكرامة واستقلالية.
التحدي الأكبر أمامنا اليوم هو أن نعيد صياغة مشاريع سبل العيش بعقلية تنموية لا إغاثية، وأن نُعرّف النجاح بقدر ما أحدثناه من تغيير جذري ومستدام في حياة الناس.


