كلية الغابات بجامعة الخرطوم… خمسون عاماً من العطاء والريادة  1976 – 2026

لم تكن كلية الغابات بجامعة الخرطوم وليدة قرار إداري عابر، بل كانت ثمرة رؤية بعيدة المدى، ونقاشات فكرية ومؤسسية امتدت سنوات، انتهت بولادة إحدى أهم مؤسسات التعليم الغابي في السودان.

كلية الغابات بجامعة الخرطوم… خمسون عاماً من العطاء والريادة  1976 – 2026

الذكرى الذهبية للتأسيس- الجزء الأول

د.عبدالعظيم ميرعني ابراهيم

لم تكن كلية الغابات بجامعة الخرطوم وليدة قرار إداري عابر، بل كانت ثمرة رؤية بعيدة المدى، ونقاشات فكرية ومؤسسية امتدت سنوات، انتهت بولادة إحدى أهم مؤسسات التعليم الغابي في السودان.

فبين الدعوة إلى إنشاء كلية مستقلة، والاكتفاء بقسم يتبع لكلية الزراعة، تشكلت ملامح مؤسسة أكاديمية خرجت أجيالاً من خبراء الغابات، وأسهمت في خدمة السودان والمنطقة.

تعود البدايات إلى عام 1958، حين طرح أبو الغابات السودانية، الدكتور كامل شوقي، مدير مصلحة الغابات آنذاك، فكرة إنشاء كلية للغابات في السودان. ثم واصل خلال الأعوام 1961 و1962 و1963 مراسلاته ومساعيه لدفع الفكرة نحو التنفيذ، حتى دخلت دائرة النقاش المؤسسي الواسع عام 1964، عندما احتدم الجدل بينه وبين البروفيسور محمد عبد الله نور، عميد كلية الزراعة بجامعة الخرطوم، حول الشكل الأكاديمي الأنسب لتعليم الغابات.

كان الدكتور كامل شوقي يرى أن مهنة الغابات تستحق كلية مستقلة تحت مظلة جامعة الخرطوم، باعتبارها علماً ومجالاً مهنياً قائماً بذاته، بينما رأى عميد كلية الزراعة أن الأنسب هو إنشاء قسم للغابات داخل كلية الزراعة، مع تغيير اسمها إلى “كلية الزراعة والغابات”.

ولم يبق الخلاف داخل المؤسسات، بل امتد إلى صفحات صحيفتي الأيام والسودان الجديد خلال شهري أغسطس وسبتمبر 1964، بمشاركة مدير جامعة الخرطوم آنذاك، البروفيسور النذير دفع الله، الذي احتكم إليه مدير مصلحة الغابات بخطابه المؤرخ في 29 أغسطس 1964.

واستند الدكتور كامل شوقي في دفاعه عن قيام كلية مستقلة إلى مبررات علمية ومهنية، مؤكداً أن هذا الخيار يمنح مهنة الغابات مكانتها المستحقة، ويجذب إليها أفضل الطلاب، ويوفر لها الحرية الأكاديمية والإمكانات اللازمة لإعداد كوادر تضاهي خريجي المؤسسات العالمية.

كما رأى أن قيام كلية مستقلة يتماشى مع سياسة الدولة التي كانت قد فصلت مصلحة الغابات عن مصلحة الزراعة، وجعلتها جهازاً مستقلاً فنياً وإدارياً ومالياً، فضلاً عن أنه يعزز فرص الحصول على الدعم الفني والمادي من الأمم المتحدة دون أن يفرض أعباء مالية كبيرة على الدولة.

وقد لخّص رؤيته في إحدى مذكراته بقوله إن قيام كلية مستقلة “يكسب مهنة الغابات المستوى والنوع اللائق من الطلبة”، وهي عبارة تعكس إيمانه بأن مستقبل الغابات يبدأ من تعليم متخصص يواكب أرقى المعايير العلمية.

ورغم قوة هذه الحجج، انتهى الجدل إلى حل وسط، فتم في عام 1974 إنشاء قسم للغابات تحت مظلة كلية الزراعة بجامعة الخرطوم، بدعم من الأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، وبالتعاون مع حكومة جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية).

ورغم إنشاء القسم رسمياً عام 1974، فإن الدراسة الفعلية بدأت عام 1976، وهو العام الذي تُحتسب منه المسيرة الأكاديمية لكلية الغابات وذكراها الذهبية.

كانت البداية متواضعة؛ إذ اقتصر الكادر الأكاديمي على أستاذين فقط: مانفريد لوشاو، المنتدب من منظمة الفاو، والدكتور محمد أحمد الرشيد. أما القسم، فقد شغل مبنى المكتبة القديمة بكلية الزراعة، وهو مبنى من طابقين تبلغ مساحته الإجمالية 501 متر مربع، دون مشاتل تعليمية أو قاعات دراسية مستقلة أو مرافق كافية.

وعشنا نحن، طلاب الدفعات الأولى، تلك الظروف بكل تفاصيلها. فكثيراً ما كنا ننتظر حتى تفرغ إحدى قاعات كلية الزراعة لنتمكن من حضور محاضراتنا، في ظل محدودية الإمكانات وقلة المرافق المخصصة للقسم.

وكانت تلك التحديات جزءاً أصيلاً من تجربة التأسيس، عززت فينا روح المثابرة ورسخت إيماننا برسالة الغابات وأهمية التعليم المتخصص. واليوم نستحضر تلك الأيام بكل اعتزاز، ونحن نرى كيف تحول ذلك القسم الناشئ إلى كلية عريقة ذات مكانة علمية مرموقة.

وخلال السنوات التالية، شهد القسم تطوراً مطرداً، فارتفع عدد أعضاء هيئة التدريس من أستاذين إلى أربعة عشر أستاذاً متخصصاً في مختلف علوم الغابات. وفي عام 1993، تُوجت هذه المسيرة بترفيع القسم إلى كلية مستقلة باسم كلية الغابات بجامعة الخرطوم، ليكتمل بذلك الحلم الذي نادى به الدكتور كامل شوقي قبل ما يقارب ثلاثة عقود.

فما بدأ عام 1976 بفصلين دراسيين، وأستاذين، ومبنى متواضع، أصبح بعد خمسين عاماً مؤسسة علمية راسخة بفضل العمل المتواصل والإخلاص والعطاء.

وفي الذكرى الذهبية لانطلاق الدراسة، لا نحتفي بمبنى أو برنامج أكاديمي فحسب، بل نحتفي بفكرة وجدت طريقها إلى الواقع، ورسالة استمرت، ومؤسسة أسهمت في إعداد أجيال من المختصين الذين حملوا رسالة الغابات والموارد الطبيعية داخل السودان وخارجه، وأسهموا في إدارة الموارد الطبيعية، وتنمية الغابات، وصون البيئة.

لقد أثبتت تجربة نصف قرن أن الفكرة التي وُلدت عام 1958، وخاضت سنوات من الحوار والنقاش قبل أن ترى النور، لم تكن مجرد مشروع أكاديمي، بل كانت استثماراً وطنياً في الإنسان والموارد الطبيعية.

وسيظل الحفاظ على هذا الإرث العلمي وتطويره مسؤولية الأجيال القادمة، حتى تواصل كلية الغابات بجامعة الخرطوم أداء رسالتها في خدمة السودان، وصون موارده الطبيعية، وبناء مستقبل أكثر استدامة.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English