من الحقل بدأت الحكاية: سيرة وفاء لأهل الغابات في السودان
في تاريخ الغابات السودانية رجالٌ لا تُقاس سيرتهم بعدد السنوات التي قضوها في الخدمة، بل بما تركوه من أثرٍ أخضر على الأرض،
من الحقل بدأت الحكاية: سيرة وفاء لأهل الغابات في السودان

ا.د طلعت دفع الله عبد الماجد
في تاريخ الغابات السودانية رجالٌ لا تُقاس سيرتهم بعدد السنوات التي قضوها في الخدمة، بل بما تركوه من أثرٍ أخضر على الأرض، وبما غرسوه من قيم التفاني والصبر والإخلاص في ذاكرة المؤسسة والوطن. ومن بين هؤلاء يبرز اسمان عزيزان: الراحل علي محمد الحسن علي، المعروف بجبل الحديد، ومحمد عثمان حامد منصور، خبير الغابات الذي وثّق تجربته الحقلية الممتدة في أحراش السودان وغاباته.
كان *علي محمد الحسن، أو “جبل الحديد”* ، اسمًا على مسمى؛ رجلًا صلب العزيمة، واسع الهمة، شديد الارتباط بالأرض والجبل والغابة. لم تكن الغابات عنده وظيفةً تؤدّى من المكاتب، بل رسالة تُحمل على الأقدام، وعلى ظهور الدواب، وفي الممرات الوعرة، وبين المنحدرات والوديان. فقد جاب مناطق جبل مرة سيرًا على قدميه، وأحيانًا على حصانه، في زمنٍ كانت فيه الإمكانات محدودة، والطرق شاقة، والعمل الحقلي امتحانًا حقيقيًا للرجال.
ولعل أعظم ما يخلّد سيرة هذا الرجل أنه ارتبط بتجربة تشجير جبل مرة، وبخاصة غابات السرو التي أصبحت اليوم من المعالم البارزة في تلك البيئة الفريدة. وقد أكدت مسودة كتاب محمد عثمان حامد أن السرو نجح في مناطق جبل مرة وبلدونج وقلول وغيرها من مناطق الجبل، وهي إشارة مهمة إلى أن ذلك الجهد لم يكن مجرد تجربة عابرة، بل عملًا حقليًا أثمر واستقر في المكان.
لقد كان زرع السرو في منطقة جبلية وعرة، وبأدوات بسيطة وتقانات محدودة، عملًا أقرب إلى الملحمة المهنية. فحين تُزرع الشجرة في أرض صعبة، ثم تتأقلم وتستقر وتبدأ في التجدد الطبيعي، فإن ذلك لا يدل على نجاح فني فحسب، بل يدل على بصيرة مهنية عميقة، ومعرفة دقيقة بالموقع، وصبر لا يملّ على متابعة الغرس والرعاية والحماية.
وقد ترك علي محمد الحسن بصماته في عدد من غابات جبل مرة، ومنها ترونتنقا، ونيرتي، وكبشير لاعه، وخور رملي، وكبلي، وبلدونج وقلول، كما ورد في الإفادات التي حفظها زملاؤه. وهذه الأسماء ليست مجرد مواقع على خريطة، بل شواهد على مرحلة من العمل الغابي الميداني الذي جمع بين الخبرة، والمغامرة، والإيمان بأن الغابة ثروة وطنية لا تُصان إلا بالعرق والصبر وحب المهنة.
وقد التقيت الراحل علي محمد الحسن في مناسبات كثيرة، وكان يحدثني بشغف عن رغبته في كتابة كتاب يوثق فيه حياته العملية بجبل مرة، ومسيرته في تشجير الجبل بأشجار السرو. وكنت ألتقيه من حين إلى آخر في مكتبة الهيئة القومية للغابات، نتشاور حول إخراج ذلك العمل وترتيبه، وقد أنجز بالفعل جزءًا كبيرًا من مسودته. وذات مرة اتفقنا على لقاء محدد لمراجعة ما كتب وتنقيحه، غير أن يد المنون سبقته قبل ذلك اليوم، فلم أتمكن من الحصول على تلك المسودة. وما زلت أرى في ضياعها خسارة مؤلمة لذاكرة الغابات السودانية، لأنها كانت ستفتح نافذة ثمينة على تجربة رجل عاش الغابة ميدانًا، وخبر الجبل طريقًا، وترك في تربته أثرًا لا يُنسى.
أما *محمد عثمان حامد منصور* ، فقد قدّم وجهًا آخر من وجوه الوفاء للغابات، وهو وجه التوثيق. فالتجربة، مهما عظمت، قد تضيع إن لم تجد من يكتبها، ويرتبها، ويضعها بين أيدي الأجيال. ومن هنا تأتي قيمة كتابه «من الحقل بدأت»، فهو ليس مجرد مذكرات شخصية، بل محاولة لحفظ تجربة حقلية طويلة في خدمة الغابات السودانية، امتدت خمسة وأربعين عامًا بين الأحراش، والمشاتل، والحجز، والغرس، والحماية، والإنتاج، والإرشاد.
وتكشف المسودة أن محمد عثمان حامد لم يكن يكتب من بعيد، بل من قلب التجربة. فقد وثّق مراحل العمل الحقلي، من اكتشاف الغابة وحجزها، إلى جمع البذور، وتجهيز المشاتل، ورعاية الشتول، والغرس، والحش، والحماية من الحرائق، والتعامل مع الأنواع المحلية والمستوردة. وهذه التفاصيل تمنح كتابه قيمة عملية وأكاديمية، لأنه يقدّم معرفة خرجت من الحقل لا من التنظير وحده.
ومن المعاني الجميلة في المسودة أن “خبير الغابات” يُعرّف بأنه الشخص الذي يُنزل التوجيهات والبرامج إلى أرض الواقع ويقف على كيفية تنفيذها. وهذا التعريف، على بساطته، يلخص جوهر العمل الغابي: أن تكون قريبًا من الأرض، حاضرًا في الميدان، عارفًا بتفاصيل الشجرة والتربة والمطر والناس.
وقد كان محمد عثمان حامد من هذا الطراز؛ رجلًا ميدانيًا يعرف قيمة الخطوة في الغابة، وقيمة الملاحظة الصغيرة، وقيمة التجربة حين تُكتب بصدق. وكان حرصه على مراجعة كتابه وتنقيحه، ومداومته على زيارة مكتبة الغابات رغم المرض ومشقة الطريق، شاهدًا آخر على أن حب الغابات عند هؤلاء الرجال لم يكن ينتهي بنهاية الخدمة أو بلوغ المعاش.
إن سيرة علي محمد الحسن ومحمد عثمان حامد تذكّرنا بأن تاريخ الغابات في السودان لم تصنعه القرارات الإدارية وحدها، بل صنعه رجال حملوا الشتول، وحموا المرابيع، وساروا في الخيران والجبال، وواجهوا الحرائق والجفاف والوعورة، ثم تركوا لنا غابات قائمة، ومعرفة محفوظة، وذكرى مهنية تستحق الإجلال.
في “جبل الحديد” نرى صورة الغاباتي الذي بنى بالأقدام واليدين والصبر.
وفي محمد عثمان حامد نرى صورة الغاباتي الذي أدرك أن التجربة إذا لم تُوثّق ضاعت، وأن ذاكرة المؤسسة جزء من ثروتها.
الأول غرس في الجبل شجرًا صار معلمًا، والثاني غرس في الورق خبرةً صارت مرجعًا.
وكلاهما يؤكد أن خدمة الغابات ليست مهنة عابرة، بل رسالة وطنية وأخلاقية وجمالية.
التحية والتجلة للراحل علي محمد الحسن “جبل الحديد”، الذي أحب غابات جبل مرة فأحبته الذاكرة.
والتحية والتقدير للأستاذ محمد عثمان حامد، الذي حفظ بعضًا من سيرة الغابات السودانية في كتاب جدير بالعناية والإخراج والنشر.
فهؤلاء هم أهل الغابات الحقيقيون: روادٌ ورائدات بدأوا من الحقل، وبقوا في وجدان الحقل، وتركوا وراءهم أثرًا أخضر لا تمحوه السنين.
لم يطلبوا مجدًا شخصيًا، ولم يكثروا الحديث عن أنفسهم، لكن الغابات التي زرعوها، والتجارب التي حفظوها، ظلت تتحدث عنهم بصمت ووقار.
لقد علّمونا أن خدمة الغابة ليست عملًا مهنيًا فحسب، بل وفاءٌ للأرض، واحترامٌ للطبيعة، ومسؤوليةٌ تجاه الأجيال القادمة.
وبمثل هذه السِّيَر العطرة تُحفظ ذاكرة المؤسسات، ويُصان تاريخ أهل الغابات، رجالًا ونساءً، ممن جعلوا من الغابة وطنًا آخر داخل الوطن.


