نساءٌ رائداتٌ في غابات السودان

من ذاكرة العطاء إلى الأمل القادم في الإنعاش المبكر وإعادة تعمير الغابات

نساءٌ رائداتٌ في غابات السودان

من ذاكرة العطاء إلى الأمل القادم في الإنعاش المبكر وإعادة تعمير الغابات

المهنة والتعليم والبحوث

صفحاتٌ تستحق أن تُكتب في سِفر الغابات السودانية 

د. محمد أبو القاسم أحمد حسن

خبير الغابات

 

في الذكرى المئوية للغابات السودانية، التي احتُفل بها عام 2002، فُتحت دفاتر التاريخ لتوثيق مسيرة مؤسسةٍ عريقةٍ أسهمت في صناعة الحاضر البيئي للوطن، وحفظت ثرواته الطبيعية، وخلّدت أسماء رجالٍ ونساءٍ أفنوا أعمارهم في خدمة الشجرة والإنسان. ومع ذلك، يظل سؤالٌ مشروع يفرض نفسه: أين نساء الغابات في هذا التاريخ؟

لقد سعدنا بصدور ذلك المجلد التوثيقي القيّم الذي أرّخ لمسيرة الغابات السودانية، وحفظ للأجيال أسماءً كانت كالدرر واللآلئ، أضاءت طريق المهنة وألهمت العاملين فيها. غير أن ذاكرة الغابات ما زالت تحمل صفحاتٍ لم تُكتب بعد، وصفوفًا من النساء الرائدات اللاتي تركن بصماتٍ لا تمحوها الأيام، لكنهن لم يجدن ما يستحققنه من توثيق يليق بعطائهن.

إن هذا المقال ليس تأريخًا شاملًا، ولا يدّعي الإحاطة بكل الأسماء، وإنما هو نداءُ وفاءٍ ومحبةٍ إلى المؤرخين والباحثين وأبناء الغابات، الذين يبذلون الغالي والنفيس لحفظ هذا الإرث العظيم، بأن تمتد أقلامهم لتوثيق سيرة النساء اللاتي أسهمن في بناء هذا الصرح، حتى تعلم الأجيال القادمة أن الغابات السودانية لم تُبنَ بسواعد الرجال وحدهم، بل شاركت في غرسها، وصونها، وتطويرها نساءٌ حملن الرسالة بإخلاص، وعلم، وصبر.

لقد حالفني الحظ أن أرافق بعضهن في ميادين العمل، وأن أتعلم من تجاربهن، وأن أشهد عن قرب كيف تتحول المعرفة إلى أثر، والفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى حياةٍ أفضل للناس.

كانت الراحلة المقيمة الأستاذة نجوى هاشم مدرسةً في الإرشاد الغابي والتنمية الريفية. وما تزال قصة مشروع الحناء شاهدًا على رؤيةٍ سبقت زمانها، حين أصبح الحناء مدخلًا لتحسين سبل كسب العيش، ووسيلةً لزيادة دخول آلاف الأسر الريفية. لقد كانت تؤمن بأن نجاح الغابات يبدأ بالإنسان، وأن الإرشاد الغابي هو الجسر الحقيقي بين المعرفة والتنمية.

ومن جيل الرائدات أيضًا الراحلة المقيمة الدكتورة هدى الشعراوي، التي لم تكن أستاذةً جامعيةً فحسب، بل كانت ملهمةً لأجيالٍ من الطلاب والباحثين. غرست في نفوسهم حب المهنة، وأيقظت فيهم روح البحث والاجتهاد، فكانت قدوةً في العلم، ومثالًا في الأخلاق والعطاء.

أما البروفيسور سيدة، فقد ارتبط اسمها بمركز بحوث بذور الأشجار، حيث كرّست حياتها لحفظ الأصول الوراثية للأشجار وتحسينها. وكانت تؤمن بأن البذرة ليست مجرد بداية لشجرة، بل بداية لمستقبل الغابات، ولذلك تركت إرثًا علميًا سيظل حاضرًا في كل غابةٍ تنمو، وفي كل شتلةٍ تُغرس.

وتأتي الدكتورة فاطمة رملي لتقدم نموذجًا رائدًا يربط بين الغابات والتنمية الاقتصادية. فمن خلال جمعيات الصمغ العربي استطاعت أن تنقل المجتمعات الريفية من دائرة المطالبة بالخدمات الأساسية إلى فضاء التنمية والإنتاج. ولم يكن غريبًا أن تُعرف بعض القرى بأسماءٍ جديدة تعكس رخاءها، حتى سُمِّيت إحداها بـ”الكويت” لما شهدته من تحسنٍ اقتصادي بفضل إنتاج وتسويق الصمغ العربي. إنها قصة تؤكد أن الشجرة ليست موردًا طبيعيًا فحسب، بل مشروع تنمية وحياة.

وفي مجال التنمية وإدارة المشروعات بشرق السودان، برز اسم ** أوشيك** بإسهاماتها في تنفيذ المبادرات التنموية التي خدمت المجتمعات المحلية وربطت العمل الغابي بالتنمية المستدامة.

أما فاطمة شعيب وزميلاتها، فقد ارتبطت أسماؤهن بمشروع المواقد المحسنة، ذلك المشروع الذي جمع بين حماية الغابات وتحسين حياة الأسر، من خلال ترشيد استهلاك الحطب وتقليل الضغوط على الموارد الطبيعية.

وفي البيئات الجافة، سطعت جهود آمنة أحمد عثمان (جوبا) في التشجير واستعادة الغطاء النباتي، مؤكدةً أن الإرادة والعلم قادران على صناعة الحياة حتى في أكثر البيئات قسوة.

ولا يمكن الحديث عن نشر الوعي الغابي دون الوقوف إجلالًا للأستاذة ميمونة النضيف، التي ظل برنامجها الإذاعي «ثروتنا الغابية» عبر إذاعة شمال كردفان بالأبيض حاضرًا لعقودٍ طويلة، يزرع الوعي البيئي في نفوس الناس، ويجعل الغابات جزءًا من ثقافة المجتمع ووجدانه. لقد كانت إذاعةً متنقلةً للإرشاد الغابي، ورسالةً صادقةً لم تنقطع رغم تعاقب السنين.

وهؤلاء ليسوا إلا نماذج قليلة، بينما لا تزال ذاكرة الغابات السودانية تزخر بعشرات، بل مئات النساء اللاتي قدن برامج، وأشرفن على بحوث، وأدرن مشروعات، وخرّجن أجيالًا، وأسهمن في حماية الموارد الطبيعية وخدمة المجتمعات المحلية، لكن أسماءهن ما تزال تنتظر من ينفض عنها غبار النسيان.

ومن هنا، فإننا نوجه دعوةً صادقةً إلى مؤرخي الغابات، وفي مقدمتهم القامات العلمية الكبيرة، أمثال البروفيسور طلعت دفع الله والدكتور عبد العظيم مرغني، وإلى جميع أبناء المهنة، أن يخصصوا مساحةً لتوثيق تجارب رائدات الغابات في التعليم، والبحث العلمي، والعمل الميداني، والإرشاد، والتنمية، والإدارة. فحتى الصفحات القليلة، أو الجلسات التوثيقية، أو الشهادات الشخصية، ستكون كنزًا للأجيال القادمة، وحفظًا لحق من صنعن هذا التاريخ بصمت.

ولعل هذه الدعوة تكتسب أهميةً أكبر اليوم، ونحن نتطلع إلى مرحلة الإنعاش المبكر وإعادة تعمير الغابات السودانية بعد ما تعرضت له من تحديات. فخبرات هؤلاء الرائدات، وتجاربهن في التعليم والبحث والإرشاد والتنمية، تمثل رصيدًا وطنيًا لا غنى عنه، ويمكن أن يكون مصدر إلهامٍ للجيل الجديد من المهنيين والباحثين، وهم يقودون مسيرة إعادة بناء الغابات واستعادة دورها في حماية البيئة وتحسين سبل العيش وتعزيز الاقتصاد الوطني.

وفي ختام هذا المقال، تعود بي الذاكرة إلى نهاية كل موسم تشجير، حين كنا نحتفل، نحن أبناء الحقل، احتفالًا بسيطًا، لكنه عظيم المعنى. كانت فرحتنا تبدأ ببذرة، ثم بإنباتها، ثم تتحول إلى شتلة ، حتى تُغرس في الأرض. عندها كنا نشعر أننا نشارك في صناعة المستقبل. وكان هذا التقليد الجميل إرثًا ورثناه عن الراحل المقيم الزين أحمد البشير، الذي علّمنا أن الاحتفاء بالشجرة هو احتفاء بالحياة نفسها، وأن النجاح الحقيقي يبدأ من غرسةٍ صغيرة قد تتحول يومًا إلى غابة.

كم أتمنى أن تبقى تلك الروح حيّة، وأن تستمر هذه الذكريات الجميلة، وأن يبقى عيد الشجرة مناسبةً نستحضر فيها تاريخ الغابات، ونكرم رجالها ونساءها، ونغرس في نفوس الأجيال الجديدة حب الأرض، واحترام الشجرة، والاعتزاز بمهنة الغابات.

رحم الله من رحل من رواد هذه المهنة، وأطال في أعمار من لا يزالون يواصلون العطاء، وجزى الله كل امرأةٍ جعلت من الغابة رسالةً، ومن العلم أثرًا، ومن التنمية سبيلًا لخدمة الإنسان والوطن.

ولعل أجمل وفاءٍ لهن، ونحن نستشرف مستقبل الغابات السودانية، أن نكتب أسماءهن بحروفٍ من نور، وأن نحفظ سيرتهن في ذاكرة الوطن، لتبقى مناراتٍ تهدي الأجيال القادمة، وتؤكد أن تاريخ الغابات لم يكن يومًا تاريخ أشجارٍ فحسب، بل كان تاريخ رجالٍ ونساءٍ نذروا حياتهم للأرض، وصنعوا الأمل تحت ظلال الأشجار.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English