الحركة الشعبية لاستصلاح البيئة في السودان
تدشين في اليوم العالمي للبيئة 5 يونيو 2026
مستوحى من الطبيعة من أجل المناخ من أجل مستقبلنا
تقديم: صوتٌ استبق زمانه

د.طلعت دفع الله عبدالماجد
قبل عشرين عاما، كتب المرحوم كمال حسن ابراهيم بادي، المدير العام السابق للغابات وخبير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، تقريراً نبّه فيه إلى ما يتهدد بيئة السودان من انهيار وشيك إن لم تُعالَج جذوره. كان المرحوم بادي يكتب عن مستقبل، لكن ما كتبه صار واقعاً نعيشه اليوم بكل ثقله. ونحن إذ نحيي اليوم العالمي للبيئة في الخامس من يونيو 2026، تحت الشعار الأممي “مستوحى من الطبيعة من أجل المناخ من أجل مستقبلنا”، نجد في فكره منطلقاً راسخاً لحركة شعبية لا غنى عنها: الحركة الشعبية لاستصلاح البيئة في السودان.
*أولاً: الكارثة البيئية الواقع بالأرقام*
يعيش السودان اليوم تداعيات عقود من الاستنزاف البيئي غير الرشيد، تتقاطع مع حرب مدمرة دخلت عامها الرابع، في مشهد لم يشهد له التاريخ الحديث مثيلاً في فداحته وتشابك أسبابه. فالأرض تُنهك من ثلاث اتجاهات في آنٍ واحد: من السماء بتغيّر مناخي لا رحمة فيه، ومن الجنوب بزحف صحراوي لا يتوقف، ومن البشر أنفسهم بحرب أكلت ما لم يأكله الجفاف.
الغابات: تُقدِّر الهيئة القومية للغابات في السودان والمصادر الدولية بأن الغطاء الغابي لا يتجاوز 10–11 بالمئة من مساحة البلاد بعد انفصال الجنوب عام 2011 ذلك الانفصال الذي أخذ معه نحو 60 بالمئة من الموارد الغابية الموثّقة للسودان الموحّد. ويسير هذا الغطاء المتبقي نحو التراجع بمعدل 174,000 هكتار سنوياً (ما يعادل نحو 0.8 بالمئة من المساحة الغابية سنوياً)، وهو من أعلى معدلات إزالة الغابات في المنطقة.
التوزيع الجغرافي: معظم ما تبقّى من هذه المساحة الغابية منزوي في الأصقاع الجنوبية النيل الأزرق وجنوب كردفان وجنوب دارفور وهي بالتدقيق المناطق نفسها الملتهبة بالنزاعات والحرب، مما يجعل حمايتها شبه مستحيلة في الظروف الراهنة. أما أواسط السودان وشماله، حيث يتركز الثقل السكاني والاقتصادي، فقد باتت شبه خالية من الغطاء الشجري، مكشوفةً للرياح والرمال وحرارة الشمس.
محرّكات الانهيار: ثمة أربع محرّكات متداخلة أنتجت هذه الكارثة: التوسع الزراعي المطري الأفقي غير المرشد بشقيه الآلي والتقليدي، وقطع الأشجار لأغراض الوقود والبناء، والرعي الجائر غير المنظم، ثم وهو المستجد الأشد الحرب التي فككت منظومات الإدارة والرقابة البيئية كلياً. وقد بيّنت التقارير الأخيرة أن الصراع المسلح أفضى وحده إلى تدمير ما لا يقل عن 6,000 هكتار من الغطاء النباتي في رقعة جغرافية محدودة، مع تصاعد حاد في إنتاج الفحم بسبب انقطاع الوقود.
*ثانياً: دور الغابات في صناعة المطر العلم يُثبت ما عرفه الأجداد*
لفهم أسباب تراجع الأمطار في أواسط السودان، لا يكفي أن نشير إلى تغيّر المناخ العالمي وحده؛ ثمة آلية محلية لا تقل أهمية، أوضحها المرحوم بادي بلغة علمية رصينة، وتؤكدها اليوم أحدث الدراسات الهيدرولوجية والمناخية.
عملية التبخر والنتح: الغابات مصانع مطر صامتة. فعبر العملية الفيسيولوجية المستمرة للتبخر والنتح، تضخّ الأشجار كميات هائلة من بخار الماء نحو الغلاف الجوي، تغذّي دورات المطر المحلية والإقليمية. وعلى سبيل القياس، تُسهم هذه العملية بـ 49 بالمئة من أمطار حوض الأمازون، و90–94 بالمئة من أمطار حوض الكونغو. وفي أواسط السودان، تُقدَّر مساهمة غطاء السافانا قليل الأمطار في دورة المياه المحلية بما يتراوح بين 13–25 بالمئة. ومعنى ذلك ببساطة: كلما أُزيلت الأشجار، قلّ المطر، وكلما قلّ المطر، ماتت الأشجار، في حلقة مفرغة تستنزف الأرض وأهلها معاً.
مؤشر النصوع (Albedo): للسطح الأرضي قدرة على امتصاص الحرارة الشمسية أو عكسها. فالأسطح الداكنة كالتربة الطينية والغطاء النباتي تمتص الحرارة وتولّد تيارات هوائية تصاعدية قوية تحمل الرياح الرطبة إلى الطبقات الباردة فتتكثف مطراً. أما التربة الرملية المكشوفة فتعكس أكثر مما تمتص، فتضعف التيارات التصاعدية ويشحّ المطر. وهنا يكمن أحد أسرار الفارق المناخي الصارخ؛ إذ يتمتع جبل مرة بـ 700–800 ملليمتر سنوياً، فيما لا تنال المنطقة الرملية شبه الصحراوية شمال نيالا سوى 300–350 ملليمتر رغم مرور الرياح الرطبة ذاتها فوقها، بسبب تدني الغطاء النباتي وارتفاع مؤشر النصوع للرمال.
الخشونة الهيكلية للغابات: الغابة ليست مجرد أشجار مصطفة؛ سطحها الوعر بتباين أطوال أشجارها يُحدث زوابع هوائية صاعدة حين تهب عليه الرياح الرطبة، تدفعها إلى أعلى فتتبرد وتمطر. أزِل الغابة، يُصبح السطح أملساً والرياح الرطبة تعبره دون أن تمطر.
*ثالثاً: ما تكشفه البيانات المناخية عام 1965 نقطة تحوّل*
راجع المرحوم بادي بيانات الأمطار في خمس محطات رئيسية القضارف وود مدني والدويم والأبيض والفاشر خلال سبعين عاماً (1930–2000). النتائج صارخة في دلالتها:
ظلت معدلات الأمطار فوق المتوسط حتى منتصف الستينيات في معظم المحطات.
بعد عام 1965 وهو بالتحديد بعد عقد من الاستقلال وبدء الاستغلال غير الرشيد للموارد الطبيعية بدأ التراجع الحاد في الأمطار، ووصل إلى مستويات جفاف قياسية مع مطلع السبعينيات والثمانينيات.
الاستثناء الوحيد كانت القضارف، التي استقرت أمطارها نسبياً بفضل تربتها الطينية الداكنة ذات النصوع المنخفض وهو ما يؤكد بالملموس أن طبيعة السطح الأرضي تُحدد كميات المطر لا الرياح وحدها.
اللافت للانتباه أن نفس هذا النمط من التراجع المناخي بعد عقد من الاستقلال وبدء الاستغلال المفرط تكرّر في خمسة دول من دول منطقة الساحل الأفريقي التي نالت استقلالها في الحقبة ذاتها وهو مؤشر إضافي على أن السياسات البشرية لا المناخ العالمي وحده هي المتهم الأول.
الديناميك الدراماتيكي للجفاف: حين يبلغ الجفاف ذروته، تحدث ظاهرة إنسانية وبيئية مزدوجة: ينزح السكان والمواشي جنوباً بحثاً عن الحياة، فتنفرج الضغوط البشرية والحيوانية عن الأرض المنهكة، وتبدأ الطبيعة في مهمة الإصلاح الذاتي بصمت وهدوء. ينتشر الغطاء النباتي، تعود الأشجار، وتتحسن الأمطار تدريجياً. غير أن هذا الانفراج البيئي يصطحب في أحيان كثيرة بذور نزاعات جديدة، حين يحتكّ الوافدون الجدد من النازحين بالسكان الأصليين على موارد متجددة ضيقة وهو ما نشهده اليوم في أبشع صوره عبر امتداد جغرافي واسع.
*رابعاً: السودان اليوم الجرح البيئي المفتوح*
ما أنذر به كمال بادي عام 2019 صار عام 2026 تشخيصاً بالغ الدقة لواقع مؤلم. الحرب المندلعة منذ أبريل 2023 لم تُضف أزمة فوق أزمة فحسب، بل أسقطت منظومات الحماية والإدارة البيئية بالكامل:
الهيئة القومية للغابات توقف عملها الميداني في مناطق الحرب والنزاع بسبب انعدام الأمن.
المزارعون النازحون يجدون أنفسهم مضطرين لقطع الأشجار الباقية طلباً للوقود والبناء المؤقت في مخيمات النزوح.
الرعاة المحاصرون خلف خطوط المعارك يضغطون بثروتهم الحيوانية على مناطق مراعٍ محدودة بسبب إغلاق ممرات الترحال التقليدية، فيُدمّرون ما تبقّى من غطاء نباتي.
الفحم النباتي بات مورداً استراتيجياً لملايين الأسر بعد انقطاع الغاز والوقود، مما يعني إزالة متسارعة للغابات حول المدن والمخيمات.
ورغم هذا الواقع القاسي، تظل في دروس الطبيعة بذرة أمل حقيقية: أثبتت تجربة إدارة التجدد الطبيعي بمساعدة المزارع (FMNR) في السودان ودول الساحل أن الأرض لم تمت، بل هي في حالة انتظار. فحين خُفِّفت الضغوط البشرية في مناطق حزام الصمغ العربي، عادت الأشجار في غضون 5–10 سنوات دون زراعة تقليدية، كاشفةً عن بنك بذور وجذور حية تحت الأرض تنتظر الفرصة للنبات.
*خامساً: الحركة الشعبية لاستصلاح البيئة الرؤية والهيكل*
قدّم المرحوم كمال بادي نموذجاً وطنياً لا نظير له في وضوح رؤيته وعملية آلياته. واليوم، وفي ضوء المستجدات، نستعرض هذه الرؤية المحدَّثة على النحو الآتي:
المبدأ الجوهري: الطبيعة لا تحتاج منا أن نزرع لها أشجاراً جديدة بقدر ما تحتاج أن نتركها تعمل. الغطاء النباتي الذي أُزيل لم يمت كلياً؛ جذوره وبذوره مدفونة في التربة تنتظر إخلاء الميدان من الضغوط البشرية والحيوانية. كل ما تحتاجه: خمس سنوات من الراحة التامة تُعطيها الطبيعة كي تبدأ مهمة الإصلاح الذاتي.
النموذج الملهم حركة سيمال أوندنق الكورية: في أعقاب الحرب الكورية، وقفت كوريا الجنوبية على أرض جُرِّدت من غاباتها تماماً. في عام 1970 أُطلقت “حركة سيمال أوندنق” (الحركة الشعبية لتعمير القرى والغابات)، وحدتها الأساسية رابطة القرية التي تضم معظم سكانها، فالرابطة المحلية، فالإقليمية، فالقيادة الوطنية. خلال عقد واحد فقط، استعادت كوريا الجنوبية 90 بالمئة من غطائها الغابي بحلول عام 1982. وهي تجربة تُثبت أن الإرادة الشعبية المنظَّمة قادرة على عكس مسار الكوارث البيئية.
*هيكل الحركة الشعبية لاستصلاح البيئة في السودان*
الوحدة الأساسية في هذا الهيكل هي رابطة القرية أو الحيّ، وتضم في عضويتها ممثلين عن المزارعين والرعاة والشباب والمرأة والمنظمات الطوعية القاعدية إذ لا استصلاح للبيئة بمعزل عن أصحابها الحقيقيين الذين يعيشون عليها ويعتمدون في رزقهم على ما تُعطيه. وهذا المبدأ مبدأ أن التغيير لا يُصنع من أعلى بل ينبت من القاعدة هو الخيط الناظم الذي يربط رؤية أستاذنا المرحوم كمال بادي بما نادى به ويناضل من أجله رفاقه في الهمّ البيئي حتى اليوم.
فقد سار على الدرب ذاته الأساتذة الخضر الأوفياء: *الدكتور فخر الدين عوض حسن عبد العال* حركة السودان الأخضر، *والدكتور عيسى عبد اللطيف والأستاذ محمد أحمد الفيلابي* من منظمة “بيئتي”، الذين حملوا رسالة الوعي البيئي بأساليب متجددة ومبتكرة لا تهدأ. فقد قدّموا سلسلة متواصلة من المحاضرات والندوات الافتراضية المفتوحة التي استقطبت جمهوراً واسعاً وتفاعل معها بشغف واهتمام حقيقيَّين. ثم مضوا أبعد من ذلك، ليُقطِّروا المعرفة البيئية المعقّدة في قصص وحكايات مستوحاة من صميم الواقع السوداني المعاش، بلغة بسيطة ممتعة تلامس القلب قبل العقل، وتصل إلى من لم تصلهم المحاضرات العلمية يوماً.
وقد صاغ هؤلاء الأساتذة رؤيتهم في شعارات تحمل في طياتها فلسفة متكاملة للتغيير من القاعدة إلى القمة: “الطريق الثالث الأخضر”، و**”الديمقراطية التشاركية الانسيابية”، و”البناء القاعدي للحكم المحلي”، و”التغيير الإيجابي الإبداعي الانسيابي الأخضر”، وفوق كل ذلك الشعار الأكثر تعبيراً عن جوهر العمل القاعدي: “ما يخصني لن يكون بدوني”**. فهذه الشعارات ليست مجرد كلمات رنّانة، بل هي خارطة طريق تقول بوضوح إن استصلاح البيئة كما استصلاح الوطن لا يكتمل إلا حين يشعر كل مواطن بأنه صاحب القضية لا متفرجاً عليها.
إن هذا التلاقي في الرؤية بين هؤلاء الأساتذة الأوفياء وإن تعددت منابرهم وتنوعت أساليبهم ليس مصادفة؛ هو دليل على أن الحقيقة البيئية واحدة، وأن الإحساس بخطورة ما يجري يسكن كل من أحبّ هذه الأرض وفهم ما تمرّ به. وهذا التلاقي بالذات هو الأرضية الصلبة التي يمكن أن تقوم عليها الحركة الشعبية لاستصلاح البيئة بأوسع معانيها وأعمق أثرها.
الهيكل التصاعدي:
تلتئم الروابط القروية في الرابطة المحلية (المحلية أو المدينة)، ثم رابطة الولاية، وصولاً إلى قيادة الحركة على المستوى الوطني بمشاركة المؤسسات الأكاديمية والفنية والسياسية.
*المهام المشتركة على كل المستويات:*
تحديد المناطق الأكثر تدهوراً بيئياً وجدولتها للراحة الكاملة وفق برامج زمنية مرحلية.
ضمان إخلاء هذه المناطق تماماً من النشاط البشري والرعوي لمدة لا تقل عن خمس سنوات.
التوعية والإرشاد البيئي المستمر عبر كل قنوات التواصل المتاحة.
الرصد والمتابعة وتوثيق التعافي الطبيعي بالبيانات والصور.
ربط الحركة بمنظومات دولية لدعم تمويل برامج التجدد الطبيعي واستعادة الغابات.
المسؤولية المجتمعية الشاملة: الانهيار البيئي ليس ذنب طرف واحد. مسؤوليته مشتركة بين المزارع والراعي وقاطع الأخشاب وسائق الشاحنة والتاجر والمستهلك النهائي والحكومات على اختلاف مستوياتها والمجتمع الدولي الذي يتعامل مع منتجات هذه البيئة. وهذا الإدراك بالمسؤولية المشتركة هو شرط انطلاق الحركة وضمان استمرارها.
*رسالة من الغد إلى اليوم*
في اليوم العالمي للبيئة 5 يونيو 2026، وشعاره العالمي يقول “مستوحى من الطبيعة”، لا يجد السودان أمامه رفاهية الانتظار. الأرض تنتظر أبناءها الذين يُدركون أن الطبيعة على حد تعبير المرحوم كمال بادي “خير معلم”. أعطِها فرصة الصمت، تُعطِك الخضرة والمطر والحياة.
الحركة الشعبية لاستصلاح البيئة هي استجابة وجودية لشعب يزرع ويرعى ويعيش على ما تهبه الأرض. وتدشينها في هذا اليوم هو التزام وطني بإعادة العقد مع الطبيعة قبل أن ينقضي وقت استئناف العلاقة معها.
إهداء إلى روح *المرحوم كمال حسن ابراهيم بادي* المدير العام الاسبق لغابات السودان وخبير منظمة الفاو الذي أضاء الطريق قبل أن نُدرك أننا نسير في الظلام.
طلعت دفع الله عبد الماجد – الرياض-6 يونيو 2026


