الموت جهلاً
جسّدت مأساة مدينة عطبرة، 310 كيلومترات شمال العاصمة السودانية الخرطوم، نهار الجمعة 15 أغسطس/آب الماضي، مقولة: "عندما يغيب الوعي، وتغرق البلاد في الفوضى، تكون البيئة والمواطن هما الضحايا".
الموت جهلاً
محمد أحمد الفيلابي
جسّدت مأساة مدينة عطبرة، 310 كيلومترات شمال العاصمة السودانية الخرطوم، نهار الجمعة 15 أغسطس/آب الماضي، مقولة: “عندما يغيب الوعي، وتغرق البلاد في الفوضى، تكون البيئة والمواطن هما الضحايا”.
ويؤدي الوعي إلى الإدراك، وهناك نوعان، أولهما الوعي مع الانتباه من أجل التعلم، والآخر وعي عام لا يرتبط بالتعلُّم، لكنه يرتبط بحياة البشر وسلامتهم.
ولكلمة الوعي دلالات ومعان واستخدامات لغوية وشرعية واصطلاحية متعددة، إلا أنها بشكل عام تفيد بأن مستواه الفردي يعني حالة نسبية من الرشد واليقظة الذهنية والكياسة والانتباه، والقدرة على تصور الشيء وإدراكه ومعرفته والإحاطة به بعد حدوثه، أي أنه يعبر عن حالة عقلية يكون فيها العقل بحالة إدراك، ويتزايد الإدراك ويتناقص بقدر تفاوت قدرات الناس، ويعد التمييز هو أول أطوار الإدراك.
نزل عاملان بسيطان بلا وعي كافٍ، إلى بئر صرف صحي عمقها 15 متراً، وقطرها ثلاثة أمتار بقصد تنظيفها، وعندما أحسا بانخفاض مستوى الأوكسجين طلبا النجدة، وقد جاءتهما في شكل أسطوانة أوكسجين مفتوحة الصمام، أنزلها لهما متطوع لا يدري أنه نتيجة لانخفاض الأوكسجين، يتكوّن غاز الميثان القابل للاشتعال داخل البئر نتيجة تحلل المخلفات العضوية. وأدى تسرب الأوكسجين النقي من الأسطوانة المفتوحة إلى اختلاطه بغاز الميثان، مكوناً خليطاً متفجراً، كما يذكر المتخصص في السلامة المهنية، عبد الرحمن محمد زين، وهو عضو الجمعية الأميركية لمهندسي التكييف والتبريد.
ويذكر أن أسباب الكارثة التي أدت إلى تسع حالات وفاة، وعشر إصابات خطيرة تشمل بتر أطراف، وحروقا، وإصابات حرجة، تكمن في الجهل بخصائص الغازات، والخطأ القاتل المتمثل في إنزال أسطوانة أوكسجين مفتوحة في بيئة غنية بالغازات القابلة للاشتعال، إلى جانب الإهمال وغياب الترخيص والرقابة، وعدم استخدام معدات السلامة.
ليست الحادثة عابرة، وإنما تؤشر إلى ما يعانيه البسطاء في غمرة فوضى الحرب من إهمال، ومن ثغرات قاتلة في منظومة السلامة المهنية، إلى جانب عدم إدراك أن هناك اشتراطات للعمل في الأماكن المغلقة، تشمل توفير التهوية، وقياس الغازات ونسبة الأوكسجين، وتوفير معدات الحماية من أحزمة أمان، وخوذات وغيرها، مع ضرورة وجود مراقب مدرب، وتشريعات تنظم عمليات تنظيف الآبار.
ومنذ سنوات طويلة، لا ينقطع الحديث عن ظاهرة آبار الصرف الصحي، مع الأخذ في الاعتبار الوضع الاقتصادي والسياسي الهش الذي تمر به البلاد، بيد أن هناك حلولاً تطرح من دون أن تلقى الاهتمام اللازم، مع التأكيد على إمكانية استغلال مياه الصرف الصحي بعد تجميعها وفلترتها. ويعد هذا من المشروعات التي تحقق أهداف التنمية المستدامة، وتوفر الطاقة، كما أنه يمنع مثل هذه الكوارث.
(متخصص في شؤون البيئة)


