إيكو – محاسبة

محمد أحمد الفيلابي
متخصص في شؤون البيئة)
لم يكن يدرك أنه يخسر أمواله فقط خلال هطول المطر، في حين كانت خسارته أعمق من أن تُقاس بعدد الأكياس التالفة أو البراميل التي فاضت محتوياتها. نظر إليه البعض بشيء من الغل والتشفّي، كأن الطبيعة نفسها قررت أن تنتقم لهم، وتجرأ أحدهم وأسمعه: “يمهل ولا يهمل”، وذكّره آخر بأنهم كثيراً ما نصحوه، لكنه قابل النصائح بالضحك ظناً منه أنهم يحسدونه على قدرته على تحريك شاحناته التي أتته بكل أصناف السلع، فكدسها في مخازن شيّدها على عجل في حي طرفي، وهو يمنّي النفس بأرباح طائلة.
لكن سحابة واحدة كفت لقلب حاله، فقد اخترق الماء السقوف الهزيلة، وأسقط الجدران الضعيفة، وعجن السكر بالدقيق، والمبيدات بالمخصبات، والمواد البترولية بالعقاقير. امتزج كل شيء، وسالت المياه الملوثة على مساحات واسعة في النواحي، وانطلقت الروائح الكريهة، ومعها رائحة الجشع، وحقيقة العجز عن حساب الخسائر البيئية قبل خسارة السلع.
لم يكن ذلك المشهد معزولاً عن سياق أكبر، فمنذ أن اندلعت الحرب السودانية في إبريل/ نيسان 2023، تعرضت منشآت صناعية وأخرى للطاقة والنفط ومخازن كبيرة لأضرار جسيمة، ونتجت من ذلك مخاطر مرتبطة بتلوث الهواء والمياه والتربة، إضافة إلى تلف مخزونات بعضها خطرة. وتكشف تقارير بيئية كلفة تُضاف إلى فقدان الأرواح والموارد. كلفة لا تُرى بالعين المجردة لكنها تتسلل إلى الماء الذي نشربه، والهواء الذي نتنفسه، والطعام الذي يصل إلى أيدي الجوعى.
في مثل هذا المشهد، يتصدر السؤال عن الخسارة التي مُني بها التاجر الجشِع، فالجشع، إلى جانب كونه خطيئة أخلاقية، هو هنا خطر بيئي يشمل التخزين العشوائي، والبناء بلا معايير، والتجاهل الكامل لسلامة الناس والبيئة التي يعيشون فيها، لتتضح الحاجة إلى أن تتحول المحاسبة من حصر الخسائر إلى أداة استباقية تتنبّه للمخاطر قبل أن تتحوّل إلى كوارث. محاسبة يمكنها أن تقيس الخسارة المالية والبيئية قبل حدوثها، وتحدد حجم المخزون المناسب، ومواقع التخزين الآمنة، وتقدير كلفة المخاطر المحتملة، ووضع خطط بديلة للإمداد والإنتاج، وأن يؤخذ هذا النهج في الاعتبار عند التخطيط الاقتصادي والبنيوي والبيئي والتشريعي لمرحلة ما بعد الحرب.
لا تخلّف الحرب دماراً في الأرواح والبنى فقط، بل تترك وراءها فواتير بيئية مؤجلة، ما يعني أن إدماج المحاسبة البيئية في التخطيط المستقبلي هو خطوة أولى نحو اقتصاد يحترم الإنسان وبيئته، ويمنع تكرار مشاهد الخراب التي صنعتها سحابة واحدة فوق مخازن تاجرٍ لم يحسب حساب الطبيعة.


