إبتسامات الأرض

محمد احمد الفيلابي
متخصص في شؤون البيئة
عندما تحلّق طائرة مسيرة عالياً فوق تلك البقعة التي قضمت مساحة واسعة من الصحراء الكبرى، وأدخلتها في دائرة اللون الأخضر، تستطيع أن ترى “ابتسامات الأرض الخضراء” كما أسمتها ناشطة تعمل منذ سنوات في “برنامج الجدار الأخضر العظيم”.
يعمل البرنامج مع السكان المحليين على مشروع لتخزين المياه التي تنهمر عليهم لثلاثة أشهر في العام، فيتسرّب منها ما نسبته 15% إلى المياه الجوفية، ويبقى جزء كبير على السطح، وقد كانت هذه المياه في السابق تضيع مخلفة جفافاً يطول لتسعة أشهر، الأمر الذي يعد من التجارب المبدعة لحصاد المياه.
ويهدف البرنامج الذي أطلقه الاتحاد الأفريقي إلى مكافحة آثار تغير المناخ والتصحر من خلال إنشاء فسيفساء من الطبيعة الخضراء المنتجة في أنحاء شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والقرن الأفريقي، ويسعى إلى استعادة 100 مليون هكتار من الأراضي، وعزل 250 مليون طن من الكربون، وخلق 10 ملايين فرصة عمل بحلول عام 2030.
تركز المبادرة الطموحة على الإدارة المستدامة للأراضي، وممارسات الحراجة الزراعية، وتحسين البيئة، وتوفير الأمن الغذائي، ودمج المجتمعات المحلية، والاستفادة من القوة الجماعية للبلدان المشاركة والمنظمات الدولية، حيث يساعد البرنامج بلداناً مثل بوركينا فاسو، وإريتريا، وإثيوبيا، وغامبيا، ومالي، وموريتانيا، والنيجر، ونيجيريا، والسنغال، والسودان، في الإدارة المستدامة، واستعادة غابات الأراضي الجافة والمراعي.
انشغل العالم كثيراً بتحويل الصحاري القاحلة إلى أراضٍ منتجة، لتتولد من التجارب ما يؤكد أنه بالإمكان تجاوز التحديات في حال توفر الإرادة، والسياسات المساندة، والبحوث والدراسات الوافية، مع القدرة على استنهاض المجتمعات المحلية وتحفيزها وإشراكها. إذ ما كان للصين أن تنجح في تحويل 1130 هكتاراً من الرمال إلى أراضٍ صالحة للزراعة لولا تفعيل هذا المزيج من التحديات، وابتكار التقنية المسماة “تربة الصحراء”، والناتجة عن خلط الرمل مع معجون ذي قدرة على الاحتفاظ بالماء والأسمدة، ما أدى إلى تحسين إنتاجية المحاصيل، وتحويل الصحراء إلى حدائق
وفي مناطق عديدة من أفريقيا تعرفت المجتمعات الفقيرة إلى الزراعة المستدامة، ونجحت مشاريع المرونة في مساعدة ملايين الأشخاص، وتحولت أراضي صحراوية إلى سلالٍ غذائية. وبات من الممكن لكل هكتار تجري إعادة تأهيله أن يؤثر في ثلاثة أضعاف المساحة من الأرض، فالبرنامج مع توفيره للغذاء، يوفر الأفكار والمعدّات وفرص التمويل، والمعينات الزراعية، ويدعم المواطنين، ويدفعهم إلى المشاركة من خلال سياسة الغذاء مقابل العمل، ليتحقق الاستقرار، وينهض الإنتاج، وتصبح الأرض هي الأم المغذية، وبسواعدهم والتجارب القادمة إليهم من بعيد، يبنى سياج ضد الجوع، والتصحر، وآثار تغير المناخ.
(متخصص في شؤون البيئة


