حالة الغابات في العالم 2026: ماذا تعني الأرقام للسودان؟

د.عبدالعظيم ميرعني
صدر عن منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو) تقرير حالة الغابات في العالم 2026، وهو تقريريقيم نحو 50 متغيراً متعلقاً بالغابات في 236 بلــدا ومنطقــة خالل الفتــرة بيــن عامــي 1990 و2025 .
وحسب التقرير يلغت مساحة الغابات في العالم نحو 4.14 مليار هكتار عام 2025، أي قرابة 32% من مساحة اليابسة، وتحتضن نحو 80% من التنوع البيولوجي البري. لكنها تتعرض لضغوط متزايدة من إزالة الغابات وتدهور الأراضي والحرائق والحشرات والأمراض والظواهر الجوية المتطرفة.
ومنذ عام 1990، أزيل نحو 489 مليون هكتار من الغابات، وانخفضت مساحة الغابات الأولية، أي الغابات التي لم تشهد تدخلات بشرية كبيرة، بنحو 110 ملايين هكتار.
لكن الرقم الأكبر ربما يكون الأكثر دلالة: نحو 1.56 مليار هكتار من الأراضي المتدهورة حول العالم.
والتدهور لا يعني اختفاء الأشجار فقط؛ بل يعني أيضًا فقدان الأرض جزءًا من قدرتها على الإنتاج، وتراجع قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، واختلال الغطاء النباتي، وضعف قدرة المجتمعات على الاعتماد المستدام على مواردها.
وعالميًا، يحدث أكثر من 60% من التدهور الناجم عن الأنشطة البشرية في الأراضي الزراعية؛ منها نحو 480 مليون هكتار من أراضي المحاصيل و560 مليون هكتار من المراعي والأراضي الدائمة.
وهذه الأرقام تكتسب معنى خاصًا في السودان، حيث يصعب الفصل بين الغابات والمراعي والزراعة والتصحر.
وتتعرض الغابات لضغوط أخرى؛ فالحرائق تطال نحو 127 مليون هكتار سنويًا، بينما تتضرر ما لا يقل عن 50 مليون هكتار بسبب الحشرات والأمراض والظواهر الجوية.
لكن السؤال الأهم لم يعد فقط:
كم فقد العالم من الغابات؟
بل:
كم يمكننا أن نستعيد؟
هنا يأتي مفهوم استعادة الغابات والمناظر الطبيعية، وهو أوسع بكثير من مجرد التشجير.
فالاستعادة لا تختزل في زراعة الأشجار، وإنما تستهدف إعادة وظائف النظام البيئي: إحياء التربة، وتنظيم المياه، واستعادة التنوع الحيوي، وزيادة قدرة الأرض على الإنتاج، وتحسين حياة المجتمعات المحلية.
وعالميًا، تخضع نحو 44 مليون هكتار من الغابات لجهود الاستعادة، كما أصبح أكثر من 206.5 ملايين هكتار من النظم الإيكولوجية البرية ضمن مسار العمل نحو الغاية الثانية من إطار كونمينغ–مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي، الذي يستهدف استعادة ما لا يقل عن 30% من النظم الإيكولوجية المتدهورة بحلول 2030.
كما تعهدت الدول بجهود لاستعادة نحو 1.2 مليار هكتار من خلال خطط تحييد تدهور الأراضي، وخطط العمل المناخي، ومبادرات استعادة الغابات في إطار تحدي بون. الرامي إلى تعادة 350 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة والمزالة الغابات بحلول عام 2030.
لكن يبقى السؤال العملي:
من أين يأتي التمويل؟
تشير التقديرات إلى أن كل دولار يُستثمر في الاستعادة يمكن أن يحقق نحو 30 دولارًا من المنافع، وأن استعادة أكثر من مليار هكتار من الأراضي المتدهورة يمكن أن تحقق منافع تقدر بنحو 1.8 تريليون دولار سنويًا.
وفي المقابل، قد تبلغ تكلفة التقاعس، أي عدم التحرك لمعالجة التدهور، بين 878 مليار دولار و6.3 تريليونات دولار سنويًا، أي ما يعادل نحو 2% إلى 8.3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وبالنسبة للسودان، تحمل هذه المعادلة رسالة واضحة: كل هكتار يتدهور اليوم قد يصبح أكثر كلفة غدًا لاستعادة التربة والغطاء النباتي والمياه والإنتاج.
وفي هذه المعادلة العالمية، تبدو الأرقام السودانية جديرة بالتوقف.
فالسودان نفسه يتطلع، في إطار مساهماته الوطنية المتعلقة بتغير المناخ، إلى تمويل قدره نحو 12.88 مليار دولار لأنشطة التكيف والتخفيف، يضاف إليه نحو 1.7 مليار دولار لبرنامج REDD+، أي نحو 14.58 مليار دولار إجمالًا.
وتشمل هذه الطموحات استعادة نحو 506 آلاف هكتار من الغابات المتدهورة و70 ألف هكتار من الأراضي الرطبة، إلى جانب تشجير وإعادة تشجير نحو 790,795 هكتارًا سنويًا لأغراض التخفيف، فضلًا عن هدف رفع الغطاء الغابي إلى 20% من مساحة السودان بحلول عام 2030.
وهذه الأرقام تكشف أن السودان لا يواجه تحدي التدهور وحده؛ بل لديه أيضًا أهداف واسعة للاستعادة والتشجير والتكيف والتخفيف، تحتاج إلى تمويل كبير، وإلى مؤسسات قادرة على تحويل هذه الأهداف من التزامات وخطط إلى نتائج ملموسة على الأرض.
وفي النهاية، ربما يكون أكبر رقم في التقرير هو 1.56 مليار هكتار من الأراضي المتدهورة عالميًا، وهي مساحة تعادل نحو 1.71 ضعف مساحة الولايات المتحدة الأمريكية.
لكن وراء هذا الرقم ليست هناك مساحات على الخريطة فقط؛ هناك تربة ومياه وأشجار ومراعٍ ومحاصيل وحياة برية ومجتمعات بشرية.
وفي سياق السودان وجنوب السودان يورد التقرير ملاحظة مفادها أن الحدود النهائية بين البلدين لم تُحدد بعد، كما لم يُحسم الوضع النهائي لمنطقة أبيي. وقد يبدو ذلك تفصيلًا فنيًا، لكنه يوضح أهمية الخرائط والبيانات الدقيقة في تقدير الموارد الطبيعية، خصوصًا الغابات والأراضي والموارد المشتركة.
ومن هنا، فإن قضية الغابات في عام 2026 لم تعد سؤالًا عن عدد الأشجار التي زرعناها.
بل السؤال الحقيقي:
كم من الأرض استطعنا أن نعيد إليها قدرتها على الحياة؟


