هدر الطعام.. عندما تضيع النعمة ويزداد ثمنها

في اليوم الدولي للتوعية بفقد وهدر الطعام.. رسالة عالمية تلامس واقع السودانيين
سنطة – تقرير
في السودان، لم يعد الحديث عن هدر الطعام قضية بعيدة عن حياة الناس أو موضوعاً يخص الدول الغنية وحدها. فالمواطن السوداني اليوم يعرف جيداً معنى أن ترتفع أسعار الغذاء، وأن تختفي بعض السلع من الأسواق، وأن تصبح وجبة كانت في متناول الأسرة قبل سنوات عبئاً على ميزانيتها.
وفي الريف، تبدو الصورة أكثر حساسية. فمعظم الأسر تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الزراعة والثروة الحيوانية لتوفير الغذاء والدخل، بينما أصبحت الزراعة المطرية تواجه تحديات متزايدة بسبب تذبذب هطول الأمطار وتأخرها أو انقطاعها في بعض المناطق، وما يترتب على ذلك من ضعف الإنتاج أو فشل الموسم الزراعي في بعض المناطق.
وسط هذا الواقع، يأتي اليوم الدولي للتوعية بفقد وهدر الطعام الذي يصادف اليوم، 29 سبتمبر 2026، ليحمل رسالة بسيطة لكنها مهمة: ما ننتجه من غذاء يجب أن نحافظ عليه، وما يمكن إنقاذه من الفقد والهدر يمكن أن يسهم في حماية غذائنا ومواردنا ومستقبلنا.
ويحمل احتفال هذا العام شعار «الإمكانات التحويلية للحد من فقدان وهدر الطعام»، في إشارة إلى أن تقليل الفاقد والهدر يمكن أن يساعد في تحسين الأمن الغذائي، وحماية الموارد الطبيعية، وتقليل الانبعاثات، وجعل النظم الغذائية أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة الأزمات.
كم من الطعام نفقد قبل أن يصل إلى المائدة؟
تقول منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» إن نحو 13.3% من الغذاء يُفقد عالمياً بعد الحصاد وفي مراحل تشمل المزرعة والنقل والتخزين والجملة والتجهيز.
وفي الجانب الآخر، تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن نحو 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين يُهدر في المنازل والمطاعم ومتاجر التجزئة.
وراء هذه النسب أرقام كبيرة، لكن القضية في حقيقتها بسيطة:
غذاء كان يمكن أن يأكله إنسان، أو تستفيد منه أسرة، ينتهي به الأمر إلى النفايات.
والخسارة لا تتوقف عند الطعام.
فكل محصول يهدر يعني أيضاً أن المياه التي استخدمت في إنتاجه، والأرض التي زرع فيها، والطاقة التي استهلكت في نقله وتخزينه، والجهد الذي بذله المزارع والعاملون في إنتاجه، ذهبت دون الاستفادة الكاملة منها.
ماذا يعني ذلك للسودان؟
بالنسبة للسودان، فإن تقليل فقد وهدر الطعام يمكن أن يكون جزءاً من الحل في مواجهة الضغوط المتزايدة على الغذاء.
فالبلاد تمر بظروف صعبة بسبب الحرب والنزوح وتضرر الأسواق وطرق النقل والبنية التحتية الزراعية، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع القدرة الشرائية لكثير من الأسر.
وفي الوقت نفسه، يعتمد جزء كبير من الإنتاج الزراعي السوداني على الأمطار.
وهذا يجعل المزارع السوداني شديد التأثر بتغيرات الطقس. فقد يأتي المطر متأخراً، أو ينقطع في فترة حرجة من عمر المحصول، أو يهطل بغزارة في وقت قصير، فتتضرر الأراضي والمحاصيل.
وعندما يفشل الموسم الزراعي أو ينخفض إنتاجه، لا يخسر المزارع محصوله ودخله فقط، بل تتأثر الأسواق والأسعار وتزداد صعوبة حصول الأسر على الغذاء.
ولهذا فإن كل جوال حبوب يمكن إنقاذه من التلف، وكل محصول يمكن الحفاظ عليه بعد الحصاد، وكل كمية من الغذاء يمكن منع هدرها، لها قيمة أكبر في بلد يواجه مثل هذه الظروف.

الفاقد بعد الحصاد.. خسارة يمكن تقليلها
أحياناً لا تضيع المحاصيل في الحقل، وإنما تضيع بعد أن ينجح المزارع في إنتاجها.
قد يكون السبب سوء التخزين، أو عدم توفر أماكن مناسبة لحفظ المحاصيل، أو ضعف وسائل النقل، أو ارتفاع درجات الحرارة، أو تأخر وصول المنتجات إلى الأسواق.
وهنا يمكن أن يكون الاستثمار في المخازن والصوامع ووسائل التجفيف والنقل والتبريد والمناولة بمثابة إنتاج جديد دون الحاجة إلى زراعة أرض إضافية.
فإذا أنتج المزارع ألف طن، وتم إنقاذ كمية أكبر من المحصول بدلاً من تلفها، فإننا عملياً زدنا الغذاء المتاح للناس من دون زيادة مساحة الأرض المزروعة.
ولهذا يمكن النظر إلى تقليل الفاقد باعتباره نوعاً من «الإنتاج الخفي».
المواطن أيضاً يستطيع أن يفعل شيئاً
الحد من هدر الطعام ليس مسؤولية الحكومة أو المزارع وحده.
يمكن للأسرة أن تبدأ بخطوات بسيطة:
أن تشتري حاجتها الفعلية، وأن تحافظ على الطعام بطريقة مناسبة، وأن تستفيد من بقايا الطعام الصالحة بدلاً من التخلص منها، وأن تتجنب إعداد كميات كبيرة تفوق حاجة الأسرة.
وفي المناسبات والأعراس والولائم، يمكن أن يتحول فائض الطعام الصالح إلى وجبات تصل إلى أسر أخرى بدلاً من أن ينتهي في حاويات النفايات.
وهذه ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل هي أيضاً قيمة اجتماعية وأخلاقية.
فالمجتمع السوداني عرف طويلاً معنى التكافل وتقاسم الطعام وإكرام الضيف، ويمكن لهذه القيم أن تساعد في بناء ثقافة جديدة تقول إن الكرم لا يعني الإسراف، وإن النعمة تستحق أن تُحفظ.
هدر الطعام قضية مناخ وموارد أيضاً
قد يتساءل البعض: ما علاقة هدر الطعام بالمناخ والغابات والمياه؟
العلاقة مباشرة.
إنتاج الغذاء يحتاج إلى الأرض والمياه والطاقة، وبعض النظم الزراعية تحتاج إلى إزالة الغطاء النباتي أو التوسع في الأراضي الزراعية عندما ترتفع الحاجة إلى الإنتاج.
فإذا أنتجنا طعاماً ثم أهدرناه، نكون قد استنزفنا الموارد الطبيعية دون الحصول على الفائدة المطلوبة.
كما يرتبط فقد وهدر الغذاء بنحو 8 إلى 10% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية.
ولهذا فإن تقليل الهدر يساعد في الوقت نفسه على حماية الموارد الطبيعية وخفض الانبعاثات وتحسين كفاءة النظام الغذائي.
والغابات جزء من القصة
الغذاء والغابات والمياه والتربة كلها مرتبطة ببعضها.
ففي السودان، تتداخل الزراعة مع المراعي والغابات والأحزمة الشجرية ومناطق التصحر.
وكلما استطعنا إنتاج الغذاء بكفاءة أكبر والحفاظ على المحاصيل الموجودة بالفعل، خف الضغط على التوسع المستمر في استغلال الأراضي والموارد الطبيعية.
ولهذا فإن مكافحة هدر الطعام ليست قضية «مطبخ» فقط، وإنما قضية تتصل بالزراعة والمياه والتربة والغابات والمناخ والاقتصاد والأمن الغذائي.
من الفقد إلى فرصة اقتصادية
يمكن أيضاً تحويل جزء من المخلفات الغذائية والزراعية إلى موارد جديدة.
فبعض المخلفات يمكن استخدامها في إنتاج الأسمدة العضوية أو الأعلاف أو الطاقة الحيوية، وفق المعايير الفنية والصحية المناسبة.
وهنا يتحول ما كان يعتبر «مخلفات» إلى فرصة يمكن أن توفر دخلاً وفرص عمل وتقلل الضغط على الموارد الطبيعية.
وهذا هو جوهر فكرة الاقتصاد الدائري: أن نستخدم الموارد بصورة أفضل، ونقلل ما يذهب إلى النفايات، ونبحث دائماً عن استخدام جديد لما تبقى من المنتجات.
السودان يحتاج إلى حماية كل ما ينتجه
في ظل ارتفاع أسعار الغذاء، وصعوبة المعيشة، وتذبذب الأمطار، وتراجع الإنتاج في بعض المناطق، فإن السودان لا يستطيع تحمل خسارة الغذاء المنتج بالفعل.
نحن بحاجة إلى زيادة الإنتاج، نعم، لكننا بحاجة أيضاً إلى حماية الإنتاج من الضياع.
نحتاج إلى تحسين التخزين، وتأهيل الطرق الريفية، وتطوير أسواق المنتجات الزراعية، وتحسين الحصاد والتجفيف، وتوفير وسائل نقل مناسبة، ودعم المزارعين بالمعلومات والتقنيات التي تساعدهم على تقليل الفقد.
كما نحتاج إلى وعي أكبر لدى الأسرة والمطاعم والأسواق والمؤسسات حول قيمة الطعام وضرورة عدم إهداره.
رسالة اليوم
اليوم الدولي للتوعية بفقد وهدر الطعام ليس مناسبة عالمية بعيدة عن المواطن السوداني.
إنه يلامس حياتنا اليومية مباشرة.
فعندما ترتفع أسعار الغذاء، ويصبح الحصول على بعض السلع أكثر صعوبة، ويتأثر الإنتاج الزراعي بتذبذب الأمطار، يصبح الحفاظ على كل حبة قمح، وكل جوال ذرة، وكل محصول صالح للاستهلاك، مسؤولية مشتركة.
الغذاء الذي نحافظ عليه اليوم قد يكون وجبة لأسرة غداً.
والأرض التي نحميها اليوم قد تكون مصدر غذاء لأجيال قادمة.
والماء الذي لا نهدره في إنتاج غذاء ينتهي إلى النفايات هو مورد نحافظ عليه لمستقبل أكثر أمناً.
إنها ببساطة دعوة إلى أن ننتج أفضل، ونحفظ أكثر، ونهدر أقل.
أوقفوا هدر الطعام.. من أجل الناس والكوكب.


