السياحة.. ثروة تنتظر أن نكتشفها
السياحة.. ثروة تنتظر أن نكتشفها
د.جلال محمد يس
لم تعد السياحة في عالم اليوم مجرد رحلات للترفيه والاستجمام، وإنما أصبحت قطاعاً اقتصادياً متكاملاً، يرتبط بالنقل والفندقة والمطاعم والحرف والصناعات المحلية والخدمات والثقافة والبيئة، ويوفر فرصاً واسعة للعمل والاستثمار، خاصة للشباب والنساء والمجتمعات المحلية.
وتقدم تجربة المملكة العربية السعودية مثالاً لافتاً في كيفية النظر إلى السياحة باعتبارها أحد محركات التنويع الاقتصادي. فقد جعلت رؤية السعودية 2030 من تطوير القطاع السياحي جزءاً من مشروع اقتصادي واسع يستهدف تحويل المملكة إلى وجهة سياحية عالمية، مع تطوير وجهات ومشروعات كبرى، وتشجيع الاستثمارات، وربط السياحة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
والدرس الأهم هنا ليس في حجم الاستثمارات أو اختلاف الإمكانات بين بلد وآخر، وإنما في طريقة التفكير في السياحة باعتبارها مورداً اقتصادياً وتنموياً يحتاج إلى تخطيط وبنية أساسية وتسويق واستثمار مستمر.
وهنا يبرز السؤال السوداني: ماذا لو نظرنا إلى السياحة في السودان بالطريقة نفسها؟
السودان لا يفتقر إلى المقومات السياحية، بل يمتلك تنوعاً استثنائياً يجمع بين الطبيعة والأنهار والجبال والسواحل والحياة البرية والتراث الحضاري.
من جبل مرة ببحيراته وشلالاته ومناظره الطبيعية، إلى جبال النوبة بتنوعها الثقافي والطبيعي، ومحمية الدندر بما تمثله من قيمة للتنوع الأحيائي والحياة البرية، مروراً بـساحل البحر الأحمر وبيئته البحرية الفريدة، وأركويت ومرتفعاتها، وكسلا وجبلها الشامخ، والنيل الأزرق، وصولاً إلى مقرن النيلين في الخرطوم؛ تمتد أمام السودان خريطة واسعة من الإمكانات السياحية.
ولا تتوقف الثروة السياحية عند الطبيعة. فالسودان يمتلك إرثاً حضارياً ضارباً في القدم، تمثله مواقع مثل البجراوية، النقعة، كرمة وغيرها من المواقع الأثرية، إلى جانب الواحات المنتشرة في كردفان ودارفور، والتي يمكن أن تتحول، إذا توافرت لها البنية والخدمات والحماية والتسويق، إلى وجهات تجمع بين السياحة البيئية والثقافية والتراثية.
لكن المشكلة أن كثيراً من هذه المواقع لا تزال أقرب إلى ثروات كامنة منها إلى وجهات سياحية مكتملة.
فالسائح لا يحتاج إلى موقع جميل فقط؛ يحتاج إلى طريق آمن، ومياه وخدمات، ومكان إقامة مناسب، ومعلومات، ومرشدين، واتصالات، ونقل، ونظافة، وحماية للموقع، ومنظومة تسويق قادرة على وضعه في خريطة السياحة الإقليمية والعالمية.
ومن هنا فإن الاستثمار في السياحة السودانية يجب ألا يبدأ فقط ببناء الفنادق الكبرى، وإنما يبدأ أيضاً من تهيئة المواقع، وتأهيل الطرق، وتطوير المطارات والموانئ، وتحسين الخدمات، وتدريب المجتمعات المحلية، وتشجيع السياحة البيئية والثقافية، وحماية الآثار والحياة البرية، وإشراك القطاع الخاص والمجتمعات المحلية في إدارة العائد السياحي.
فإذا جرى تطوير منطقة مثل جبل مرة، على سبيل المثال، فإن المستفيد لن يكون الفندق وحده؛ بل المزارع الذي يوفر المنتجات المحلية، والحرفي، وسائق المركبة، والمرشد السياحي، والمطعم، والشاب الذي يقدم خدمة رقمية، والمرأة التي تنتج الحرف والمأكولات المحلية.
وهنا تكمن فلسفة السياحة المستدامة: أن تتحول الموارد الطبيعية والثقافية إلى مصدر دخل وفرص عمل، من دون استنزافها أو تدميرها.
السودان بحاجة، بعد الحرب، إلى إعادة التفكير في موارده الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد على مورد واحد أو انتظار المساعدات. والسياحة يمكن أن تكون جزءاً من هذا التفكير، ليس باعتبارها بديلاً سريعاً عن القطاعات الإنتاجية، وإنما كقطاع قادر على تنويع الاقتصاد ودعم سبل العيش وتنشيط المجتمعات المحلية وجذب الاستثمار وحماية التراث والطبيعة.
ولعل البداية تكون بوضع خريطة وطنية للسياحة السودانية تحدد المواقع ذات الأولوية، وتصنفها إلى سياحة بيئية وثقافية وأثرية وساحلية ونهرية وصحراوية، ثم تضع لكل موقع خطة واضحة للبنية التحتية والاستثمار والحماية والتسويق.
فالسودان لا يحتاج إلى اختراع مقومات سياحية من الصفر؛ المطلوب أن نكتشف ما لدينا، ونحميه، ونطوره، ونقدمه للعالم.
إن السياحة ليست مجرد زائر يلتقط صورة ويغادر؛ إنها سلسلة اقتصادية تبدأ من الطريق وتنتهي عند المجتمع المحلي، وبينهما آلاف فرص العمل والاستثمار.
وفي بلد يمتلك هذا التنوع الطبيعي والحضاري، ربما آن الأوان لأن ننتقل من سؤال: ماذا نملك؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نحول ما نملك إلى تنمية مستدامة؟


