اليوم العالمي لوحيد القرن .22 سبتمبر

في مثل هذا اليوم من كل عام، يحتفل العالم بهذا الحيوان الضخم المهدد بالانقراض، الذي يبدو لنا للوهلة الأولى وكأنه بعيداً عن حياتنا اليومية.

اليوم العالمي لوحيد القرن .22 سبتمبر

د.عبدالعظيم ميرغني

في مثل هذا اليوم من كل عام، يحتفل العالم بهذا الحيوان الضخم المهدد بالانقراض، الذي يبدو لنا للوهلة الأولى وكأنه بعيداً عن حياتنا اليومية.

لكن وراء هذا الاحتفال قصة لها صلة بنا أكثر مما نتصور.

فوحيد القرن ليس غريباً تماماً عن ذاكرتنا السودانية؛ فقد كان حاضراً في الشعار الوطني الأول لجمهورية السودان بعد الاستقلال، من 1956 إلى 1970.

ومن هنا يبرز سؤال أكبر من الاحتفال بالحيوان نفسه:

ماذا يعني أن يختفي آخر فرد من نوع وحيد القرن، بينما لم يتبقَّ منه سوى أعداد محدودة جداً في البرية؟

الانقراض ليس كالموت الذي يصيب الفرد ويبقى جزءاً من دورة الحياة؛ فالنوع يستمر رغم موت أفراده وتعاقب أجياله.

أما الانقراض فهو انقطاع السلالة كلها، واختفاء شكل من أشكال الحياة من على وجه الأرض إلى الأبد.

لقد عرفت الأرض الانقراض قبل ظهور الإنسان بملايين السنين.

تغير المناخ، وتبدلت البيئات، وظهرت أنواع واختفت أخرى، ومرت الحياة بموجات كبرى من الانقراض الجماعي، وهذه من سنن الحياة على الأرض.

لكن الإنسان أضاف إلى هذه القصة شيئاً جديداً: القدرة على تسريع الاختفاء.

فالصيد الجائر، وفقدان المواطن الطبيعية وتجزئتها، والتوسع الزراعي والعمراني، والتلوث، وتغير المناخ، يمكن أن تدفع نوعاً إلى حافة الانقراض في زمن قصير، بعد أن استغرق ظهوره وتطوره ملايين السنين.

وهنا تكمن المفارقة:

فقد تمتد سنن نشوء الأنواع وتطورها عبر ملايين السنين، بينما قد يحتاج الإنسان إلى عقود قليلة ليدفع نوعاً إلى الاختفاء.

وقد يسأل سائل: ما حاجتنا إلى وحيد القرن؟ ماذا يقدم لنا حتى يستحق كل هذا الجهد لحمايته والخوف من اختفائه؟

لكن السؤال يمكن أن يصبح أعمق:

هل كل ما له قيمة في العالم يجب أن تكون له منفعة مباشرة لبني الإنسان؟

إذا جعلنا المنفعة البشرية معياراً وحيداً للقيمة، فماذا يبقى من الكائنات التي لا نأكلها، ولا نستخرج منها دواءً، ولا نحولها إلى مال؟

لكن خلق الله أوسع من حسابات المنفعة التي يضعها الإنسان.

فالشجرة ليست خشباً فقط، والنهر ليس ماءً فقط، ووحيد القرن ليس قرناً ثميناً على رأس حيوان ضخم.

كل كائن خلقه الله يعيش داخل شبكة معقدة من العلاقات مع الكائنات الأخرى، نعرف بعضاً منها ونجهل كثيراً منها.

وفي الرؤية القرآنية نجد تعبيراً بالغ العمق في التعبير عن ذلك:

﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.

إنها أُمم؛ كائنات لها وجودها ونظامها في هذا العالم، وليست مجرد أشياء بثها الله في الطبيعة لا قيمة لها إلا بمقدار ما تنفع الإنسان.

ومن هنا يمكن أن نفهم أيضاً قوله تعالى:

﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.

لذلك يصبح الانقراض سؤالاً بيئياً، لكنه يصبح في الوقت نفسه سؤالاً أخلاقياً.

لقد أصبح الإنسان قوة مؤثرة في مصير أنواع كثيرة من الكائنات، وهذه وحدها مسؤولية هائلة.

فالنوع الذي ينقرض لا نملك له بديلاً حقيقياً.

وحين يختفي آخر وحيد قرن، لن يكون الذي اختفى مجرد رقم في تقرير عن الحياة البرية، بل سلالة كاملة من الحياة خرجت من مسرح الأرض إلى الأبد.

ولعل أجمل ما نتذكره في هذا اليوم أن الإنسان ليس الكائن الوحيد الذي له مكان تحت الشمس.

وربما كانت أمانة الاستخلاف ألا نترك للأجيال القادمة أرضاً أكثر ثراءً لنا وأفقر حياةً لهم، بل أن نترك لهم شيئاً من ذلك التنوع الذي وجدناه حين جئنا.

فالحفاظ على الأنواع ليس دائماً إنقاذاً للحيوان من الإنسان؛ ففي جانب منه، هو إنقاذ للإنسان من وهم أنه المالك الوحيد لهذا العالم.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English