القطاع الخاص بوابة لتعافي السودان.. برنامج أممي يربط الأمن الغذائي بإعادة بناء الاقتصاد

الخرطوم / سنطة
في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أعقد أزمات الغذاء والاقتصاد نتيجة الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، يطرح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) مساراً للتعافي يقوم على دعم القطاع الخاص واستعادة الإنتاج المحلي والأسواق وسلاسل الإمداد، باعتبارها مكونات أساسية للخروج التدريجي من الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
وفي هذا السياق، تنظم وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر 2026 في الخرطوم، حوار تعافي القطاع الخاص السوداني، بهدف تحديد أولويات عملية ووضع خارطة طريق للتعافي يقودها القطاع الخاص.
اقتصاد أنهكته الحرب
يشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحرب أحدثت أضراراً واسعة في الاقتصاد السوداني؛ إذ انكمش الاقتصاد بأكثر من 40%، وأُغلقت نحو واحدة من كل ثلاث منشآت أعمال، فيما تراجعت إيرادات المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة بمتوسط 35.8%، وفق استراتيجية مشاركة القطاع الخاص التي أطلقها البرنامج للفترة 2026–2028.
ولم يكن القطاع الزراعي بمنأى عن هذه التداعيات. فقد انخفض إنتاج الحبوب بنسبة 46% في السنة الأولى من الحرب، وبحلول عام 2025 أفاد نحو 90% من المزارعين ومجموعات المنتجين بتراجع المحاصيل، بينما وصلت انخفاضات الإنتاجية إلى 71% في المناطق الأكثر تأثراً بالقتال.
من المساعدات إلى استعادة القدرة على الإنتاج
الفكرة الأساسية التي يطرحها البرنامج لا تقوم على الاستغناء عن المساعدات الإنسانية، وإنما على موازاتها بمسار طويل الأجل يعيد للسودانيين قدرتهم على الإنتاج وكسب الدخل والوصول إلى الأسواق.
ويحدد الحوار الأممي عدداً من العقبات أمام تعافي القطاع الخاص، من بينها محدودية التمويل وآليات تقاسم المخاطر، واضطراب النظام المصرفي وممرات التجارة، وارتفاع تكاليف الوقود والطاقة والنقل، وضعف التنسيق بين حلقات سلاسل القيمة، وتراجع الاستثمار الخاص، إلى جانب فجوات المهارات وخدمات تطوير الأعمال، خاصة للمشروعات التي يقودها الشباب والنساء.
التمويل والطاقة والأسواق
ويقترح البرنامج مجموعة من الأدوات للتعامل مع هذه التحديات، تشمل ضمانات الائتمان، والتمويل المختلط، والتمويل القائم على النتائج، وتوسيع التأمين التكافلي، وإشراك المصارف ومؤسسات التمويل الأصغر.
كما يركز على الاستثمار في الطاقة المتجددة للاستخدام الإنتاجي، وتطوير البنية التحتية للأسواق، وتجميع إنتاج صغار المزارعين، وتعزيز الثقافة الرقمية والمالية، وتحسين الوصول إلى الأسواق الخارجية وتسهيل الصادرات.
وتبرز الطاقة الشمسية بصورة خاصة كحل عملي في المناطق الزراعية التي تعاني من ارتفاع تكلفة الوقود وضعف إمدادات الكهرباء. ويعرض البرنامج تجربة قرية قبراب قرب عطبرة، حيث استفاد مزارعون من مشروع لضخ المياه بالطاقة الشمسية لري محاصيل من بينها البامية والبرتقال والبصل.

الزراعة في قلب التعافي
ويكتسب التركيز على الزراعة أهمية خاصة في السودان، ليس فقط باعتبارها مصدراً للغذاء، وإنما لارتباطها المباشر بسبل معيشة ملايين الأسر والتجارة والتصنيع والصادرات.
وفي تحليل حديث أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع المركز التجاري الدولي (ITC)، جرى تحديد سبع سلاسل قيمة ذات أولوية يمكن أن تسهم الاستثمارات الموجهة فيها في استعادة سبل العيش وتقليل الاعتماد على المساعدات، وهي: السمسم، الذرة الرفيعة، فول الصويا، الفول السوداني، الكركديه، الصمغ العربي والثروة الحيوانية.
ويشير التحليل إلى أن إعادة تنشيط هذه القطاعات تحتاج إلى التمويل والبنية التحتية وتسهيل التجارة، إلى جانب استعادة الأسواق وسلاسل القيمة.
النساء والشباب والمشروعات الصغيرة
ولا يقتصر التصور على الشركات الكبيرة، بل يشمل المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، والقطاع غير الرسمي، والمشروعات التي تقودها النساء والشباب.
ويضع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذه الفئات ضمن محاور التعافي، باعتبارها مرتبطة مباشرة بخلق الوظائف واستعادة الدخول وتنشيط الأسواق المحلية. كما تشير استراتيجية البرنامج للفترة 2026–2028 إلى أهمية التعاون مع المؤسسات المالية وغرف التجارة واتحادات الأعمال ومؤسسات التمويل الأصغر لتوسيع التمويل وإعادة دمج المشروعات في مسار التعافي.
ماذا يمكن أن يضيف الحوار؟
من المنتظر أن يركز الحوار على تحديد الاختناقات التي تواجه الإنتاج والتجميع والتجارة والشمول المالي والأنظمة التنظيمية، إلى جانب إعداد خارطة طريق مشتركة لتعافي القطاع الخاص، وحشد الاستثمارات المحلية والدولية والشراكات.
ومن بين النتائج المطروحة خطة عمل مشتركة لتعافي سلاسل القيمة الزراعية، والتزامات من المؤسسات المالية لدعم آليات التمويل، وإنشاء تحالف للقطاع الخاص لتسهيل الصادرات، وتعزيز التعاون بين القطاع المالي والوزارات المختصة، وتحديد الإصلاحات التنظيمية اللازمة لتحفيز التجارة والاستثمار.
السودان.. من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإنتاج
تكشف هذه المبادرة عن تحول مهم في مفهوم التعافي: فإعادة بناء السودان لا تتعلق فقط بإصلاح الطرق والمنشآت التي دمرتها الحرب، وإنما بإعادة تشغيل دورة الإنتاج نفسها؛ من المزارع والمنتج والرعاة، إلى التجميع والتصنيع والنقل والأسواق والتمويل والتصدير.
وهنا تبدو قضية الأمن الغذائي مرتبطة بصورة مباشرة بالاقتصاد المحلي. فالمزارع الذي يحصل على التمويل والطاقة والمياه والمدخلات والأسواق لا ينتج الغذاء فقط، وإنما يخلق دخلاً وفرص عمل ويحرك النقل والتجارة والصناعات المرتبطة بالإنتاج.
وبالنسبة للسودان، فإن نجاح هذا المسار يتطلب أن يتحول التعافي من مشروعات متفرقة إلى منظومة متكاملة تجمع الحكومة والقطاع الخاص والمصارف والمجتمعات المحلية والمنتجين والشباب والنساء والشركاء الدوليين، مع مراعاة اختلاف ظروف الولايات ومخاطر الحرب وتغير المناخ.
فالقطاع الخاص وحده لا يستطيع إعادة بناء الاقتصاد، كما أن المساعدات الإنسانية وحدها لا تستطيع إعادة تشغيله. وبين الاثنين تبرز الحاجة إلى شراكة تضع الإنتاج المحلي، والتمويل، والطاقة، والمياه، والأسواق، وحماية الموارد الطبيعية في قلب عملية التعافي.
وتشير نمذجة «Sudan Rising» التي أوردها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن السودان يمتلك مقومات كبيرة يمكن البناء عليها، من بينها نحو 19.8 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، ومياه النيل، وموقع على البحر الأحمر، وقوة سكانية شابة. وتعرض النمذجة سيناريو افتراضياً طويل الأجل يرتبط بتحقق السلام والإصلاحات والاستثمار، وليس توقعاً مؤكداً للمستقبل.
الرسالة الأهم للسودان اليوم: التعافي الاقتصادي لا يبدأ بعد انتهاء الحرب بالكامل؛ بل يمكن أن يبدأ حيثما تتوفر بيئة آمنة تسمح بإعادة الإنتاج، واستعادة الأسواق، وتمكين المجتمعات من الاعتماد على قدراتها، وتحويل الموارد الطبيعية والبشرية من إمكانات معطلة إلى اقتصاد منتج ومستدام


