من بقايا الطعام تبدأ نظافة المدن.. العالم يحتفي بيوم التنظيف 2026

لم يعد مفهوم تنظيف المدن يقتصر على رفع النفايات من الشوارع أو إزالة التراكمات من الأحياء والأسواق،

من طبق الطعام إلى نظافة المدينة.. رسالة اليوم العالمي للتنظيف إلى السودان

تقرير: صحيفة سنطة الإلكترونية

لم يعد مفهوم تنظيف المدن يقتصر على رفع النفايات من الشوارع أو إزالة التراكمات من الأحياء والأسواق، بل أصبح مرتبطاً بالسؤال الأهم: كيف نمنع إنتاج النفايات من الأساس؟

بهذه الرسالة جاء اليوم العالمي لتنظيف البيئة 2026، الذي احتُفل به في 20 سبتمبر، تحت شعار «من أطباق نظيفة إلى مدن نظيفة»، واضعاً هدر وفقدان الغذاء في قلب النقاش العالمي حول النظافة وإدارة النفايات والاستدامة الحضرية.

واستضافت مدينة شاوشينغ بمقاطعة تشجيانغ الصينية الاحتفال العالمي، بمشاركة برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية «موئل الأمم المتحدة – UN-Habitat» والجهات الصينية، في فعالية امتدت من 19 إلى 21 سبتمبر، وشملت حوارات ومعارض وأنشطة لتبادل التجارب حول إدارة النفايات والمدن المستدامة.

أكثر من مليار وجبة تهدر كل يوم

تكشف أرقام الأمم المتحدة حجم المشكلة؛ إذ تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن نحو 1.05 مليار طن متري من الغذاء أُهدرت عام 2022 على مستوى الأسر وخدمات الطعام وتجارة التجزئة، بما يعادل نحو 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين.

وتشير الأمم المتحدة كذلك إلى أن الأسر تهدر أكثر من مليار وجبة يومياً، بينما يتسبب الفاقد والهدر الغذائي في نحو 8 إلى 10% من انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً، فضلاً عن استنزاف المياه والأراضي والطاقة والموارد التي تدخل في إنتاج الغذاء ونقله وتخزينه وإعداده.

وهنا تتحول قطعة الطعام التي تُلقى في سلة المهملات إلى قضية تتجاوز المطبخ؛ فهي تعني موارد أُنفقت دون أن يستفيد منها أحد، ونفايات إضافية تتحمل المدن كلفة جمعها ونقلها ومعالجتها.

النظافة تبدأ قبل حاوية النفايات

الرسالة الجديدة التي يطرحها اليوم العالمي للتنظيف هي أن معالجة النفايات لا ينبغي أن تبدأ بعد وصولها إلى الشارع، وإنما من مصدرها.

ويشجع «موئل الأمم المتحدة» على تقليل هدر الطعام، والاستفادة من الأغذية الصالحة للأكل، وإعادة توزيع الفائض، وفرز المخلفات العضوية، وتحويل ما يمكن منها إلى سماد، إلى جانب تعزيز إعادة الاستخدام والتدوير والاقتصاد الدائري.

وبذلك يصبح المواطن والمطعم والمدرسة والسوق والمزرعة جزءاً من منظومة إدارة النفايات، وليس مجرد منتج لها.

ماذا تقول الرسالة للسودان؟

بالنسبة للسودان، تأتي هذه الرسالة في وقت تواجه فيه المدن تحديات كبيرة في إدارة النفايات، تفاقمت بفعل الحرب والنزوح والضغط المتزايد على الخدمات الأساسية.

وفي كثير من المدن السودانية، ما زالت النظافة تُفهم غالباً باعتبارها عملية رفع للنفايات المتراكمة، بينما تحتاج المرحلة المقبلة إلى الانتقال تدريجياً نحو مفهوم أكثر شمولاً يبدأ من تقليل إنتاج النفايات، وفرزها من المصدر، وتحسين الجمع والنقل، والاستفادة من المخلفات العضوية وإعادة تدوير المواد القابلة للاسترداد.

وهذا لا يعني تجاهل حملات النظافة وإزالة التراكمات، فهي ضرورة صحية وبيئية عاجلة، وإنما يعني ألا تتوقف المعالجة عند رفع النفايات اليوم لتعود غداً.

من «رفع التراكمات» إلى «منع التراكم»

تقدم المناسبة العالمية فرصة لإعادة النظر في إدارة النفايات في السودان، خصوصاً في المدن والأسواق والمناطق التي تستقبل أعداداً كبيرة من السكان والنازحين.

فالمخلفات العضوية الناتجة عن المنازل والأسواق والمطاعم يمكن، متى توفرت منظومة مناسبة للفرز والجمع والمعالجة، أن تتحول من عبء على المدن إلى مورد لإنتاج السماد العضوي، بدلاً من خلطها بكل أنواع النفايات وإرسالها إلى المكبات.

كما يمكن للمدارس والجامعات والمطاعم والأسواق والأحياء أن تلعب دوراً في نشر ثقافة الاستهلاك المسؤول وعدم الإسراف في الطعام، بالتوازي مع تطوير خدمات البلديات والجهات المختصة.

رسالة إلى المدن السودانية

إذا كان العالم يوجه في 2026 رسالة تقول «من أطباق نظيفة إلى مدن نظيفة»، فإن السودان يستطيع أن يضيف إليها رسالة من واقعه:

لا نحتاج فقط إلى مدن تُنظَّف، بل إلى مدن لا تُنتج كل هذه الكميات من النفايات أصلاً.

فالمدينة النظيفة ليست تلك التي تُرفع منها النفايات بعد تراكمها، وإنما التي تمتلك نظاماً يمنع التراكم، ويفرز المخلفات، ويسترد الموارد، ويقلل الهدر، ويجعل المواطن شريكاً في النظافة لا متلقياً للخدمة فقط.

وفي بلد يعتمد جزء كبير من اقتصاده ومعيشة سكانه على الزراعة والثروة الحيوانية والموارد الطبيعية، فإن التعامل مع الغذاء باعتباره موردًا ثميناً لا مخلفاً سريعاً يمكن أن يكون مدخلاً مهماً لربط النظافة بالأمن الغذائي والاقتصاد المحلي وحماية البيئة.

من حملة يوم واحد إلى ثقافة مستدامة

أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2023 يوم 20 سبتمبر من كل عام يوماً عالمياً لتنظيف البيئة، بهدف تعزيز الوعي بدور جهود التنظيف في التنمية المستدامة وتشجيع الحكومات والمجتمعات والمؤسسات والقطاع الخاص على العمل المشترك.

لكن القيمة الحقيقية للمناسبة لا تكمن في عدد الشوارع التي جرى تنظيفها في يوم واحد، وإنما في ما يمكن أن تتركه من تغيير مستمر في السلوك والسياسات والخدمات.

ومن هنا، فإن الرسالة الأهم للسودان ليست أن ننظف أكثر فحسب، بل أن نهدر أقل، ونفرز أفضل، ونعيد الاستخدام، ونسترد الموارد، ونبني أنظمة قادرة على منع عودة النفايات إلى الشوارع.

فمن طبقٍ لا يُهدر، إلى سوقٍ لا تتراكم فيه المخلفات، إلى حيٍّ يحسن إدارة نفاياته، تبدأ قصة المدينة النظيفة.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English