غرينبيس… رحلة غيّرت العالم

د.عبدالعظيم ميرعني
في مثل هذا اليوم، 15 سبتمبر 1971م، غادرت سفينة صيد قديمة ميناء فانكوفر في كندا، وعلى متنها اثنا عشر ناشطاً وصحفياً، متجهة إلى جزيرة أمشيتكا قبالة سواحل ألاسكا.
كانت مهمتهم احتجاجية على التجارب النووية الأمريكية التي كانت تُجرى في الجزيرة، وما يمكن أن تسببه من أخطار على البيئة والحياة البرية.
لم تكن السفينة حديثة، ولم يكن ركابها قوة عسكرية ولا مؤسسة ضخمة.
كانوا مجموعة من الأشخاص جمعهم قلق مشترك، وآمنوا بأن بإمكانهم أن يجعلوا من حضورهم رسالة احتجاج سلمية.
وأطلقوا على السفينة اسم غرينبيس (Greenpeace)، في إشارة تجمع بين البيئة والسلام.

لكن الرحلة لم تسر كما أرادوا؛ فقد اعترضتهم السلطات الأمريكية، ولم يتمكنوا من الوصول إلى موقع التجربة، وأُجريت التجربة النووية بالفعل.
وبالمقاييس المعتادة، كان يمكن عدُّ المهمة فشلاً.
غير أن الرحلة التي لم تبلغ وجهتها تركت أثراً تجاوز حدودها، وكانت بداية قصة غرينبيس، التي تحولت لاحقاً إلى واحدة من أشهر الحركات البيئية في العالم.
فقد أثارت الرحلة اهتماماً واسعاً، وأسهمت في تحويل قضية التجارب النووية إلى موضوع للنقاش العام، لتصبح تلك البداية الصغيرة جزءاً من حركة عالمية واسعة.
وهنا يكمن الدرس.
ليست كل المبادرات العظيمة تولد كبيرة؛ فقد تنطلق من فكرة بسيطة، وإمكانات محدودة، ومجموعة صغيرة من الأشخاص يؤمنون بما يفعلون.
وقد لا تحقق المبادرة هدفها الأول، لكنها قد تفتح نافذة في جدار اللامبالاة، أو توقظ ضميراً غافلاً، أو تمهد الطريق لتغيير لم يكن أحد يتوقعه.
وليس غرينبيس المثال الوحيد.
ففي السودان نفسه، بدأت مبادرة شارع الحوادث عام 2012 بمجموعة من الشباب، وبأعمال بسيطة مثل الترفيه عن مرضى السرطان وتنظيم حملات للتبرع بالدم، ثم اتسعت تدريجياً حتى أصبحت تضم أكثر من ألفي متطوع في الخرطوم و17 مدينة سودانية، وأسهمت في تنفيذ مشروعات صحية كبيرة.
وهكذا تتكرر الحكاية في العلم، والتعليم، والثقافة، والعمل الاجتماعي: فكرة صغيرة، ثم إيمان بها، ثم عمل متواصل، ثم أثر يتسع شيئاً فشيئاً.
والقاسم المشترك بين هذه التجارب ليس حجم البداية، وإنما صدق الفكرة، واستمرار أصحابها، وقدرتهم على جذب الآخرين إليها.
وفي السودان، كما في سائر المجتمعات، نحن في حاجة إلى هذه الروح في مختلف المجالات: في التعليم، والبحث العلمي، والبيئة، والعمل الاجتماعي، والثقافة، وخدمة المجتمع.
فالمؤسسات مهمة، والقوانين ضرورية، لكن كثيراً من التحولات الكبيرة تبدأ من إنسان يرى حاجة، أو مجموعة تؤمن بفكرة، أو مبادرة صغيرة لا يلتفت إليها أحد في بدايتها.
إن قصة غرينبيس تذكرنا بأن قيمة المبادرة لا تُقاس دائماً بحجمها عند البداية، ولا بنتيجتها الأولى، بل بما تستطيع أن تفتحه من آفاق.
فربما لا نحتاج دائماً إلى أن نبدأ بشيء كبير؛ يكفي أحياناً أن نبدأ بشيء نؤمن بأنه يستحق أن يبدأ.


