الخرطوم النظيفة.. 100 يوم لإزالة التراكمات وبناء نظام مستدام لإدارة النفايات

تقرير: أميمة حسن
هل تنجح ولاية الخرطوم في تحويل برنامج الـ100 يوم من حملة لإزالة تراكمات النفايات إلى نظام مستدام يحافظ على نظافة العاصمة؟ هذا هو التحدي الأساسي الذي يواجه مشروع «الخرطوم النظيفة»، الذي أجاز مجلس الوزراء الانتقالي تنفيذه بالقرار رقم (288) لسنة 2026م، باعتباره برنامجاً عاجلاً ومستقلاً يستهدف معالجة أوضاع النظافة في العاصمة وإعادة تنظيم منظومة جمع ونقل ومعالجة النفايات.
ويستهدف البرنامج، الذي يمتد لـ100 يوم، إزالة تراكمات النفايات من الشوارع والأسواق والمرافق العامة، وتطهير مجاري تصريف المياه، إلى جانب العمل على إنشاء نظام منتظم لجمع ونقل النفايات، بما يحد من عودة التراكمات بعد انتهاء فترة البرنامج.
ولا يقف المشروع عند حدود المعالجة العاجلة، إذ يتضمن تكوين غرفة عمليات مستقلة، وتخصيص ميزانية أولية تخضع للدراسات الفنية وإجراءات العطاءات والضوابط المالية والقانونية، فضلاً عن السعي لإشراك القطاع الخاص والمنظمات في التنفيذ.
من إزالة التراكمات إلى بناء نظام
واستناداً إلى قرار مجلس الوزراء، ناقش مجلس تنسيق النظافة الخطة التشغيلية المتكاملة لنظافة ولاية الخرطوم – برنامج الـ100 يوم، برئاسة الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية والريفية بولاية الخرطوم، الأستاذة غادة حسين العوض.
وأكدت العوض أهمية استثمار البرنامج في إنشاء قاعدة بيانات متكاملة للنظافة، إلى جانب منصة للتوعية والإعلام، باعتبار أن توفر المعلومات يمثل أساساً لتحديد الاحتياجات وتوجيه الموارد ومتابعة الأداء.
وتتجه الخطة، بحسب ما ورد في تقرير هيئة نظافة ولاية الخرطوم، إلى التعامل مع منظومة النفايات باعتبارها سلسلة مترابطة تبدأ من الجمع، ثم النقل والترحيل، وصولاً إلى المعالجة والتخلص النهائي الآمن، بدلاً من الاقتصار على إزالة التراكمات الموجودة.

تشغيل المحطات والمرادم
وأكد المدير العام لهيئة نظافة ولاية الخرطوم، الأستاذ الصادق الطيب، السعي إلى تشغيل المحطات الوسيطة والمرادم النهائية بكفاءة خلال فترة البرنامج، مع استمرار الخدمة بصورة منتظمة ومستدامة.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه المحليات احتياجات متفاوتة من الآليات والمعدات، الأمر الذي دفع الخطة إلى التركيز على حصر الموارد المتاحة وتحديد الفجوات التشغيلية.
وطالب مقرر مجلس تنسيق النظافة، الأستاذ عصام الأمين، المحليات بحصر احتياجاتها من الآليات وتحديد المطلوبات اللازمة للتعامل مع التراكمات والإفراز اليومي للنفايات، مع العمل على تثبيت الخدمة وعدم ربطها بالحملات المؤقتة.
المحليات تحدد أولوياتها
وأعلنت محلية شرق النيل إعداد برنامج للنظافة وفق الآليات المتاحة، والبدء في العمل بنظام ورديتين في الشوارع الرئيسية، مع رصد مواقع تراكم النفايات والمناطق ذات الكثافة السكانية ومعدلات الإفراز اليومي المرتفعة، إلى جانب إعطاء الأسواق أولوية في عمليات النظافة.
وفي محلية الخرطوم، أشارت المحلية إلى تأهيل عدد من الآليات وإدخالها الخدمة، لكنها أوضحت أن الآليات المتوفرة لا تغطي الاحتياجات بصورة كاملة، خصوصاً مع ارتفاع معدلات عودة السكان، الأمر الذي يتطلب دعماً إضافياً بالآليات.
أما محلية أمبدة، فأشارت إلى تحديد مواقع التراكمات وتقسيم المحلية إلى قطاعات وفق الكثافة السكانية، مع التركيز على الأحياء الأكثر كثافة، والاستفادة من فترة الـ100 يوم في تقليل التراكمات وضمان التعامل مع الإفراز اليومي بصورة منتظمة.
وفي محلية جبل أولياء، اعتُبر البرنامج تدخلاً إسعافياً يمكن أن يحدث تغييراً في أعمال النظافة بالولاية، مع التأكيد على أن نجاحه يرتبط بقدرته على الانتقال من معالجة التراكمات إلى استدامة الخدمة. كما شددت المحلية على أهمية تشغيل المحطة الوسيطة بالأندلس ومردم طيبة.

النفايات الطبية.. ملف لا يحتمل التأجيل
ولا تقتصر الخطة على النفايات المنزلية، إذ تشمل أيضاً التعامل مع النفايات الطبية والبيطرية.
ودعت الأستاذة شيماء أحمد، مدير الإدارة العامة للنفايات الطبية، إلى إعادة تأهيل المحارق التابعة للهيئة، بما يمكّن الإدارة من التخلص من النفايات الطبية والخطرة وفق الأسس والمعايير المعتمدة.
ويمثل هذا الجانب أهمية خاصة بالنظر إلى المخاطر الصحية والبيئية المرتبطة بالتعامل غير الآمن مع هذا النوع من النفايات.
التوعية جزء من الحل
وتتضمن الخطة تقسيم كل محلية إلى قطاعات ومناطق تشغيلية وفق الكثافة السكانية وحجم النفايات والتراكمات والأولويات الصحية والبيئية.
كما تشمل حملات توعية ميدانية في الأحياء والمدارس والأسواق، والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي، وإشراك القيادات المجتمعية والمؤثرين والمؤسسات الحكومية والمنظمات والمبادرات المجتمعية والقطاع الخاص.
ومن المقترحات المطروحة تكوين فرق متطوعين وتنظيم منافسات مثل «أنظف حي» و«أنظف محلية»، بهدف ربط النظافة بالسلوك المجتمعي وليس بجهود أجهزة النظافة وحدها.
البلاغات والتدخل السريع
وتعتمد الخطة كذلك على تفعيل قسم التدخل السريع وإزالة التراكمات والأنقاض، للتعامل مع المواقع الحرجة والحالات التي تحتاج إلى آليات ثقيلة أو تدخلاً عاجلاً.
ويشمل ذلك التدخل في المواقع ذات الخطورة الصحية والبيئية، والاستجابة للبلاغات العاجلة، ودعم المحليات عندما تتجاوز التراكمات قدراتها التشغيلية، إلى جانب إزالة مخلفات النظافة وتطهير المصارف.
كما يتضمن البرنامج تنشيط الرقم (1956) لاستقبال بلاغات المواطنين المتعلقة بالنظافة.
توأمة ونقل التجارب
ومن الجوانب اللافتة في القرار الدعوة إلى توقيع اتفاقية توأمة مع إحدى المدن الكبرى التي تمتلك تجارب ناجحة في جمع النفايات وفرزها والتخلص النهائي منها، والاستفادة من هذه التجارب في ولاية الخرطوم، خاصة في مجال تحويل النفايات إلى طاقة.
ويفتح هذا التوجه الباب أمام التعامل مع النفايات باعتبارها مورداً يمكن الاستفادة منه، بدلاً من النظر إليها كمشكلة تتطلب الجمع والترحيل والتخلص فقط.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد اليوم المائة
ورغم أن البرنامج يحمل طابعاً إسعافياً وعاجلاً، فإن الاختبار الحقيقي لنجاحه لن يكون في حجم النفايات التي تتم إزالتها خلال المائة يوم، وإنما في قدرة الولاية على الحفاظ على مستوى النظافة الذي يتحقق خلالها.
فالخطة، وفق التصور المطروح، تربط بين الجمع والنقل والمعالجة والتخلص النهائي، والتفتيش والمتابعة والتقييم والتوعية والتدخل السريع، بما يجعلها أقرب إلى إعادة بناء منظومة تشغيلية متكاملة منها إلى حملة نظافة مؤقتة.
ويبقى نجاح التجربة مرتبطاً بقدرة الجهات المعنية على توفير الآليات والموارد، انتظام عمليات الجمع والنقل، كفاءة المحطات والمرادم، وضوح المسؤوليات، وتعاون المواطنين والقطاع الخاص والمنظمات والمبادرات المجتمعية.
فالهدف ليس أن تكون الخرطوم نظيفة لمدة 100 يوم، وإنما أن تكون المائة يوم نقطة انطلاق لنظام يجعل نظافة الخرطوم خدمة يومية منتظمة لا تحتاج إلى حملات طوارئ متكررة.


