الاسبوع العالمي العاشر للغابات 2026 السودان لا يحتاج إلى زراعة الأشجار فقط.. بل إلى إعادة بناء الريف
حين تجتمع دول العالم في روما خلال الفترة من 28 سبتمبر إلى 2 أكتوبر 2026 في الأسبوع العالمي العاشر للغابات
الاسبوع العالمي العاشر للغابات 2026
السودان لا يحتاج إلى زراعة الأشجار فقط.. بل إلى إعادة بناء الريف
د.جلال محمد يس
حين تجتمع دول العالم في روما خلال الفترة من 28 سبتمبر إلى 2 أكتوبر 2026 في الأسبوع العالمي العاشر للغابات، تحت شعار «الغابات من أجل الغذاء والقدرة على الصمود والازدهار»، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا في السودان ليس: ماذا سيقول العالم عن الغابات؟
بل: ماذا سنفعل نحن؟
فالغابات لم تعد في الرؤية الدولية مجرد أشجار ومساحات خضراء تحتاج إلى الحماية، وإنما أصبحت جزءاً من معادلة الغذاء، والدخل، والاقتصاد الريفي، والتكيف مع تغير المناخ، وحماية التنوع الحيوي. وهذا بالضبط ما تطرحه منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» في برنامج أسبوع الغابات هذا العام.
وهنا يجب أن نتوقف قليلاً أمام واقع السودان.
بلادنا ليست فقيرة في الموارد، لكنها تعاني منذ عقود من ضعف الاستثمار في الإنسان والمكان المنتج. وفي الريف تحديداً، ظل المزارع والراعي ومنتج الغابات يعملون في ظروف صعبة، بينما تذهب معظم الاستثمارات والخدمات إلى المدن.
ثم جاءت الحرب لتضاعف المشكلة.
اليوم، لا نحتاج فقط إلى إعادة بناء ما تهدم من مبانٍ وطرق ومؤسسات؛ نحتاج إلى إعادة بناء الاقتصاد الريفي نفسه.
الريف هو البداية

إذا أردنا معالجة أزمة الغذاء في السودان، فلا ينبغي أن نبدأ من الأسواق فقط، بل من مناطق الإنتاج.
وإذا أردنا خلق فرص عمل للشباب، فلا ينبغي أن تكون المدينة هي الخيار الوحيد.
وإذا أردنا حماية البيئة، فلا يمكن أن نفصل حماية الغابات والمراعي والتربة والمياه عن مصالح الإنسان الذي يعيش عليها.
نحن بحاجة إلى نموذج جديد للتنمية الريفية يقوم على فكرة بسيطة:
“اجعل من القرية منطقة إنتاج متكاملة، لا مجرد مكان للسكن”
قرية لديها مياه وطاقة شمسية، ومركز خدمات زراعية وبيطرية، ومخازن وتبريد، ومشتل، وطريق إلى السوق، واتصالات، وتمويل، وتعاونيات ومنظمات منتجين، ومشروعات صغيرة لتحويل المنتجات الزراعية والغابية إلى سلع ذات قيمة مضافة.
عندها فقط يصبح الريف قادراً على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة الاقتصادية التي ينتجها.
“الأشجار يمكن أن تكون جزءاً من الحل”
ومن هنا تأتي أهمية الغابات.
لماذا لا ننظر إلى الأشجار باعتبارها جزءاً من النظام الإنتاجي؟
الزراعة المختلطة او الحراجة الزراعية، على سبيل المثال، تتيح دمج الأشجار مع الزراعة والثروة الحيوانية، بما يساعد على حماية التربة والمياه وتنويع مصادر دخل الأسر الريفية وتعزيز قدرتها على مواجهة الظروف المناخية الصعبة.
والبرنامج الرسمي لأسبوع الغابات يتضمن بالفعل مبادرات حول “الحراجة الزراعية والزراعة الإيكولوجية، واستعادة الغابات والمناظر الطبيعية، ودعم المنتجين وسلاسل القيمة الريفية”
وهذه ليست أفكاراً بعيدة عن السودان.
لدينا الصمغ العربي، والفاكهة، والعسل، والأعلاف، والثروة الحيوانية، والمنتجات غير الخشبية للغابات، إلى جانب إمكانات واسعة في التشجير واستصلاح الأراضي.
المشكلة أن كثيراً من هذه الموارد تخرج من مناطق الإنتاج في صورتها الأولية، بينما تتحقق القيمة الاقتصادية الأكبر في مراحل التصنيع والتسويق.
لماذا لا نصنع جزءاً من هذه القيمة داخل الريف؟
“من منتج للمواد الخام إلى شريك في الاقتصاد”
السودان يحتاج إلى تغيير طريقة تعامله مع المنتج الريفي.
المزارع ليس مجرد مستفيد من مشروع حكومي، والراعي ليس مشكلة بيئية، ومنتج الصمغ العربي ليس مجرد مصدر للعملة الأجنبية.
هؤلاء هم أصحاب الاقتصاد الحقيقي.

لذلك فإن الاستثمار في تنظيم المنتجين، والتعاونيات، والتصنيع الريفي، والتمويل الصغير، والتكنولوجيا، والتدريب، والأسواق، قد يكون أكثر تأثيراً من كثير من المشروعات التي تنتهي بانتهاء التمويل.
والأهم أن يكون للمرأة والشباب موقع حقيقي في هذا الاقتصاد الجديد.
فالشباب الذين يجازفون بحياتهم ويحاولون الهجرة عن طريق (السمبك) بحثاً عن حياة افضل و اولئك الذين يبحثون عن فرص خارج مناطقهم يمكن أن يصبحوا أصحاب مشروعات في الزراعة والحراجة والتصنيع الغذائي والطاقة المتجددة والخدمات الرقمية إذا توفرت لهم البيئة المناسبة.
لا نريد العودة إلى ما قبل الحرب
ربما تكون الحرب قد دمرت كثيراً من الأشياء، لكنها منحتنا أيضاً فرصة لإعادة التفكير.
لا ينبغي أن يكون هدفنا إعادة السودان إلى الوضع الذي كان عليه قبل الحرب.
“نحن بحاجة إلى سودان ريفي أفضل مما كان عليه قبل الحرب”
ريف منتج.
ريف متصل بالأسواق.
ريف يستخدم الطاقة النظيفة.
ريف يستفيد من التكنولوجيا.
ريف يحافظ على موارده الطبيعية.
ريف يجد فيه الشباب فرصتهم بدلاً من الهجرة.
وريف لا يعتمد فقط على إنتاج المحاصيل، وإنما على منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ من الأرض وتنتهي بالتصنيع والتسويق.
ماذا نريد من أسبوع الغابات؟
المشاركة السودانية في الفعاليات الدولية لا ينبغي أن تكون مجرد حضور وبيانات وصور.
علينا أن نذهب إلى العالم بأسئلة واضحة، ومشروعات قابلة للتنفيذ، واحتياجات محددة.
نريد شراكات لاستعادة الأراضي المتدهورة.
نريد تطوير الزراعة المختلطة.
نريد تمويلاً للمنتجين والمجتمعات المحلية.
نريد التكنولوجيا والرصد الحديث للغابات والموارد الطبيعية.
نريد تطوير سلاسل قيمة للمنتجات الغابية والزراعية.
ونريد أن تتحول المعرفة الدولية إلى مشروعات حقيقية في قرى السودان ومناطق إنتاجه.
فالبرنامج العالمي نفسه يتجه نحو الانتقال من الالتزامات إلى العمل، ويركز على الناس والأرض والتمويل والأعمال والسياسات باعتبارها مسارات مترابطة لاستعادة المناظر الطبيعية.
وهذا هو المطلوب في السودان بالضبط.
الغابة ليست بعيدة عن رغيف الخبز
ربما آن الأوان لأن نكف عن النظر إلى البيئة والغابات باعتبارها ملفاً ثانوياً يأتي بعد الاقتصاد.
الحقيقة أن الاقتصاد والغذاء والبيئة وجهان لقضية واحدة.
فالأرض المتدهورة تعني إنتاجاً أقل، والمياه التي لا تُدار جيداً تعني إنتاجاً أقل، وقطع الأشجار بصورة غير مستدامة يعني مزيداً من تدهور الأراضي، وتدهور الأراضي يعني مزيداً من الفقر والهجرة.
وفي المقابل، فإن استعادة الأرض، وزراعة الأشجار، وتحسين إدارة المياه، وتطوير الإنتاج، وربط المنتج بالسوق، يمكن أن تعني غذاءً أكثر، ودخلاً أفضل، وفرص عمل أكبر، وبيئة أكثر قدرة على الصمود.
ولهذا فإن شعار «الغابات من أجل الغذاء والقدرة على الصمود والازدهار» ينبغي ألا يبقى شعاراً دولياً بالنسبة لنا.
ينبغي أن يتحول إلى مشروع سوداني لإعادة بناء الريف.
فالسودان لن ينهض من العاصمة وحدها.
السودان الحقيقي يبدأ من القرية، ومن المزرعة، ومن المرعى، ومن الغابة، ومن الإنسان الذي ينتج فيها.
وإذا أردنا سوداناً أكثر أمناً واستقراراً بعد الحرب، فلنبدأ من حيث يوجد الإنتاج.
“لنُعِد بناء الريف.. قبل أن نطلب من الريف أن يعيد بناء السودان”


