أم عش .. للطيور المهاجرة

د.عبدالعظيم ميرعني
منذ القدم كان السودان، ولا يزال، محطة مهمة ومعبراً للطيور المهاجرة في رحلتها الموسمية بين أوروبا وآسيا وإفريقيا.
فموقعه الجغرافي، وأنهاره، وأراضيه الرطبة، وسهوله الفيضية، وما يرتبط بها من ممرات مائية ومسطحات وجزر وموائل موسمية، تمثل شبكة واسعة توفر للطيور الماء والغذاء والغطاء، ومواقع الراحة والحماية.
وفي قلب هذه الشبكة يأتي النيل الأبيض، بما يرتبط به من بيئات رطبة ومحطات تتوقف فيها الطيور لتستريح وتقتات قبل مواصلة رحلتها.
فقد أظهرت دراسات التتبع الحديثة أن بعض الطيور التي تتكاثر في تركيا تعبر الجزيرة العربية والبحر الأحمر، ثم تتوقف في وسط السودان قبل أن تواصل رحلتها جنوباً نحو جنوب السودان وأوغندا.
وهنا تبرز الخرطوم ومحيطها ضمن هذه الشبكة.
فقد سجلت الدراسات أنواعاً وأعداداً عديدة من الطيور فيها، كما سجلت إحدى الدراسات في جزيرة توتي 88 نوعاً من الطيور، بأعداد كبيرة خلال فترات الرصد المختلفة.
لكن وسط هذه الصورة الكبيرة، تبرز حكاية مكان صغير جنوب الخرطوم وعلى ضفاف النيل يحمل ذاكرة أكبر من مساحته.
موضعٌ تحيط به غابة صغيرة، تتوسطها شجرة حراز ضخمة، عُرفت يوماً باسم “أم عش”.
بحسب الرواية التاريخية التي أوردها الأستاذ محمد إبراهيم أبو سليم في حديثه عن “مدينة الشجرة”، أن الشجرة كانت وكراً للطيور المهاجرة في حلها وترحالها، وتضم عدداً كبيراً من أعشاشها.
ولم تكن “أم عش” شجرة منفردة في ذاكرة المكان؛ فقد كانت المنطقة الممتدة منها إلى موقع كبري النيل الأبيض الحالي، بما في ذلك غابة السنط الحالية المحجوزة بواسطة الهيئة القومية للغابات، محميةً للطيور، أُعلنت منذ عام 1932م.
ثم تغيرت الأسماء، وتغير معها وجه المكان.
عُرفت الشجرة باسم ماحي بك، ثم اشتهرت باسم شجرة غوردون، قبل أن يستقر اسمها الشائع على “الشجرة”.
وتروي إحدى الروايات أن المصري ماحي بك، وكان مفتشاً في المنطقة، نزل عندها نحو عام 1826م، ثم نزل عندها لاحقاً غوردون باشا، فارتبط اسمها به.
لكن رواية أخرى، ينقلها الدكتور جعفر ميرغني عن مخطوطة “كاتب الشونة»”، تقول إن ماحي بك أورفلي توفي ودُفن تحتها، وإنها كانت أصلاً ضمن مجموعة من أشجار السيال، ثم ارتبط اسم غوردون بها في فترة لاحقة، وربما أسهم ذلك في شهرة المكان.
قد تختلف الروايات في أصل الاسم، لكن دلالته البيئية تبدو واضحة:
كانت الطيور جزءاً من هوية المكان.
ومع الزمن، تقلصت الموائل الطبيعية تحت ضغط التوسع العمراني وتغير استخدامات الأراضي، فتراجعت المساحات التي توفر للطيور الماء والغذاء ومواقع الراحة والتعشيش.
ومع ذلك، بقيت الصلة حاضرة في السجلات العلمية.
فمنذ بدايات التوثيق العلمي للطيور في السودان، ظهرت مناطق النيل والخرطوم في السجلات والمشاهدات.
وتوجد سجلات لطيور جُمعت من النيل الأبيض والخرطوم في عشرينيات القرن الماضي، كما أجرى جورج نيكولاوس وباحثون آخرون مسوحات واسعة في السودان بين عامي 1977 و1984م، شملت مناطق على النيل قرب الخرطوم وكوستي وجوبا، إلى جانب مناطق الساحل السوداني.
واليوم تعود غابة السنط إلى دائرة الاهتمام.
فمن خلال التعاون بين نادي مشاهدة الطيور المهاجرة السوداني والهيئة القومية للغابات، بدأت محاولة لإعادة اكتشاف الغابة، لا باعتبارها مجرد مساحة خضراء داخل المدينة، بل باعتبارها موطناً طبيعياً وتاريخياً للطيور.
وفي 5 سبتمبر 2026م، نُفذت جولة لرصد الطيور في الغابة، امتدت لنحو خمسة كيلومترات من شريطها الشرقي.
والنتيجة؟ 36 نوعاً من الطيور.
قد تبدو هذه الأرقام حصيلة جولة لمشاهدة الطيور، لكنها يمكن أن تكون بداية لمسار أكبر:
من الرصد إلى التوثيق،
ومن التوثيق إلى الحماية،
ومن الحماية إلى إعادة تأهيل الموطن.
وهنا تكمن قيمة المبادرة.
فهي لا تنظر إلى غابة السنط باعتبارها أشجاراً فحسب، وإنما تعيد وصل الحاضر بذاكرة المكان.
فاسم “أم عش” لم يكن اسماً عابراً.
كان وصفاً لمكان عرفته الطيور قبل أن تعرفه الخرائط الحديثة، وكانت أعشاشها جزءاً من ملامحه.
وإذا كانت غابة السنط لا تزال تحتفظ بشيء من ذلك الدور، فإن حمايتها لا تعني حماية الأشجار وحدها؛ بل حماية موطن للطيور، وجزء من منظومة النيل الأبيض، وذاكرة بيئية تمتد إلى ما قبل الأسماء التي حملتها الشجرة لاحقاً.
ومن هنا نقترخ تسمية المبادرة “أم عش للطيور المهاجرة”. أكثر من مجرد اسم.
إنها إعادة إحياء لذاكرة المكان، وربط للماضي بالحاضر، وفتح باب للمستقبل.
فالطيور المهاجرة لا تعرف الحدود السياسية، ولا تتوقف عند أسماء المدن والدول.
إنها تتبع الماء والغذاء والأشجار والموائل الآمنة، وتعود إلى الأماكن التي تجد فيها ما تحتاج إليه.
ومن “أم عش” القديمة إلى غابة السنط اليوم، تبدو الرسالة واضحة:
إنقاذ ما تبقى من هذه الموائل وإعادة تأهيلها ليس مجرد عمل لحماية الطيور، بل هو أيضاً حفاظ على جزء من تاريخ الخرطوم الطبيعي، وعلى علاقة الإنسان بالنيل، وعلى ذاكرة مكان كان يوماً ملاذاً للطيور المهاجرة.
ولعل غابة السنط تستحق أن تستعيد شيئاً من ذلك الدور القديم…
أن تعود، مرة أخرى، كما كانت:
“أم عش”… ملاذاً للطيور.


