ماذا تعني عودة وزارة البيئة في السودان؟

د.عبدالعظيم ميرغني
وفقاً لأدبيات برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، هناك عدة أنماط رئيسية للإدارة الحكومية في مجال العمل البيئي على المستوى العالمي.
النمط الأول يتمثل في وجود وزارة مستقلة للبيئة، وهو النموذج السائد في نحو 75% إلى 80% من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، البالغ عددها 193 دولة.
أما النمط الثاني، فيقوم على دمج البيئة مع قطاعات أخرى، كأن تكون البيئة ضمن وزارة الزراعة أو المياه، ويشكل هذا النموذج نحو 15% من الدول.
بينما تعتمد نسبة تتراوح بين 5% و10% من الدول على وكالات أو مجالس وطنية مستقلة، من دون وجود وزارة بيئة قائمة بذاتها.
ولا يعني اختلاف هذه النماذج أن هناك نموذجاً واحداً صالحاً لجميع الدول.
فالمعيار الحقيقي ليس شكل الهيكل الإداري في حد ذاته، وإنما مدى قدرته على تحقيق الحوكمة البيئية الرشيدة، من خلال وضوح الاختصاصات، وتكامل الأدوار، وفاعلية التنفيذ والرقابة، وتوفير الموارد اللازمة.
في السودان، مرّ الهيكل المؤسسي للعمل البيئي بتحولات متعددة منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي.
فقد أُنشئ المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية عام 1991 بوصفه مظلة قومية للعمل البيئي والتخطيط له، ثم جاءت في عام 1996 تجربة إنشاء وزارة متخصصة للبيئة.
ومنذ ذلك الوقت، شهدت المؤسسات البيئية السودانية تغييرات متكررة، تراوحت بين إنشاء وزارة مستقلة، ودمج البيئة في حقائب وزارية أخرى، مثل البيئة والسياحة، أو البيئة والغابات والتنمية العمرانية، إلى جانب إنشاء أو إعادة تفعيل مجالس متخصصة في مجالات مثل البيئة والتصحر والسلامة الأحيائية.
كما عادت، في بعض الفترات الانتقالية والمتعاقبة، صيغة المجلس الأعلى للبيئة بوصفه جهة عليا للعمل البيئي، من دون وجود وزارة مستقلة تتمتع بكامل أدوات السلطة التنفيذية.
ولعل المشكلة الأعمق في التجربة السودانية لم تكن دائماً في اختيار هذا النموذج أو ذاك، بقدر ما كانت في عدم استقرار البناء المؤسسي وتكرار نقل الاختصاصات وتغيير مواقعها، الأمر الذي يضعف تراكم الخبرة ويؤثر في استمرارية السياسات والبرامج البيئية.
واليوم تعود البيئة إلى مظلة وزارية متخصصة في إطار وزارة البيئة والاستدامة، إلى جانب المجالس والآليات المتخصصة.
وهنا ينبغي التأكيد على أن القضية ليست في المفاضلة المجردة بين «وزارة» و«مجلس»، وإنما في كيفية توزيع الأدوار بينهما. فالوزارة، بحكم طبيعتها التنفيذية، تستطيع وضع السياسات موضع التنفيذ، ومتابعة تطبيق القوانين، والتنسيق بين أجهزة الدولة، وتمثيل الدولة في المحافل الدولية، بينما يمكن للمجالس المتخصصة أن تضطلع بأدوار فنية واستشارية وتنسيقية أكثر تخصصاً.
وتؤكد التجارب الدولية، على اختلاف نماذجها، أن فاعلية العمل البيئي تحتاج إلى جهة حكومية ذات ثقل سياسي، وصلاحيات واضحة، وموارد مالية، وقدرة على التنسيق والتنفيذ والرقابة. فلا يكفي وجود مجلس أو هيئة عليا ما لم تكن هناك جهة تنفيذية قادرة على تحويل السياسات والتوصيات إلى برامج وإجراءات على أرض الواقع.
ومن هنا، تبدو الصيغة السودانية الحالية، التي تجمع بين وزارة متخصصة ومجالس متخصصة، أقرب إلى صيغة متوازنة، شريطة أن تكون العلاقة بينها واضحة، وأن تتكامل اختصاصاتها ولا تتداخل.
إن إعادة وزارة البيئة بهذه الصيغة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد استحداث وزارة جديدة، أو استعادة مسمى إداري سابق، وإنما باعتبارها فرصة لبناء عمل بيئي أكثر استقراراً ووضوحاً، على أساس مؤسسي قومي يحدد المسؤوليات ويكامل الأدوار.
وتكمن أهمية ذلك في ثلاثة أمور رئيسية:
أولاً: توحيد القيادة والرؤية البيئية.
وذلك في القضايا المرتبطة بتغير المناخ والتصحر والتنوع الأحيائي وإدارة الموارد الطبيعية، مع وضوح المسؤوليات وتنظيم العلاقة بين الوزارة والمجالس المتخصصة والولايات والجامعات ومراكز البحوث والمنظمات الوطنية والدولية.
ثانياً: إدماج البيئة في صناعة القرار الوطني.
فالقضايا البيئية لم تعد شأناً قطاعياً منفصلاً، وإنما أصبحت مرتبطة مباشرة بالزراعة والرعي والمياه والأمن الغذائي والسلام والاستقرار ومعاش المواطنين.
ولذلك فإن وجود جهة حكومية مسؤولة عن البيئة على مستوى مجلس الوزراء والدوائر العليا لصنع القرار يمنحها القدرة على التأثير في السياسات الاقتصادية والتنموية، بدلاً من أن تظل معالجةً لآثار القرارات بعد اتخاذها.
ثالثاً: تعزيز الحضور الدولي والقدرة على استقطاب التمويل والدعم الفني.
فوجود جهة حكومية واضحة وذات صلاحيات ومسؤولية محددة يسهم في بناء الثقة مع الشركاء الدوليين، وتحسين القدرة على إعداد المشروعات وتمويلها وتنفيذها، وضمان استمراريتها وعدم ارتباطها بالتغييرات المتكررة في الهياكل الإدارية.
وعليه، فإن إعادة وزارة البيئة في السودان ليست غاية في حد ذاتها، وإنما خطوة لإعطاء العمل البيئي المكانة المؤسسية اللازمة داخل الدولة.
والصيغة الأكثر فاعلية، في تقديري، هي أن تكون الوزارة الجهة الحكومية التنفيذية والقائدة للعمل البيئي، بينما تؤدي المجالس المتخصصة أدوارها الفنية والاستشارية والتنسيقية في مجالات البيئة والتصحر والسلامة الأحيائية وغيرها.
فالمطلوب ليس كثرة المؤسسات، وإنما وضوح الأدوار، وتكامل الاختصاصات، واستقرار الهيكل، وتوافر الموارد، والمساءلة عن النتائج.
وعندها فقط يمكن أن تصبح عودة وزارة البيئة خطوة حقيقية نحو بناء عمل بيئي قومي أكثر فاعلية، يربط بين حماية البيئة والتنمية والاستقرار ومعاش الناس، ويحفظ حق الأجيال الحالية والقادمة في موارد طبيعية سليمة ومستدامة.


