مؤتمرات الحضور الكثيف والإنجاز الهزيل

من أكثر العبارات سخرية في وصف مؤتمرات المناخ والبيئة أنها "مؤتمرات الحضور الكثيف والإنجاز الهزيل"، و"مؤتمرات الكلام الكثير والفعل القليل"

مؤتمرات الحضور الكثيف والإنجاز الهزيل

د.عبدالعظيم ميرغني

من أكثر العبارات سخرية في وصف مؤتمرات المناخ والبيئة أنها “مؤتمرات الحضور الكثيف والإنجاز الهزيل”، و”مؤتمرات الكلام الكثير والفعل القليل”.

عشرات المؤتمرات، وآلاف الجلسات، وعشرات الآلاف من الصفحات، وملايين الكلمات، ومئات البيانات الختامية منذ أول مؤتمر للمناخ عام 1995 وحتى نهاية العام الجاري، والنمط السائد يكاد يكون محفوظاً عن ظهر قلب:

مؤتمر ينعقد، خطابات حماسية، صور جماعية، بيان ختامي، ثم يُضرب موعد جديد للاجتماع القادم.

أما القاعدة الذهبية للبيروقراطية الدولية في هذه الاجتماعات فهي: تضخم العملية التفاوضية.

تدخل المشكلة قاعة الاجتماعات صغيرة، وتخرج منها محاطة باللجان والخبراء والصياغات، حيث يصبح الاتفاق على كلمات ترضي الجميع أهم من حل المشكلة نفسها.

ثم تأتي إعادة تدوير الوعود، وتأجيل الحلول من 2030 إلى 2050، وربما إلى 2100، مع غياب المساءلة؛ تعلن الدول التزامات طموحة، ولا تنفذها، ثم تعود في المؤتمر التالي بالتزامات أكثر طموحاً.

وهكذا يصبح تحسين جودة الوعود بديلاً عن تنفيذها.

أما الشعار الذي يلخص هذه الدورة السنوية فهو:

“أنقذوا الكوكب… ولكن في المؤتمر القادم”.

ولعل المفارقة الأوضح أن آلاف المشاركين الذين يناقشون خفض الانبعاثات يكونون قد قطعوا آلاف الكيلومترات بالطائرات، واستهلكوا في طريقهم قدراً كبيراً من الطاقة.

لكن أكثر ما يكشف حدود هذه البيروقراطية أن بعض الأزمات لا تتحلى بالصبر الدبلوماسي.

فبعد سبعة عشر مؤتمراً للأطراف في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، جاء مؤتمر COP17 الذي اختتم أعماله قبل أيام في منغوليا، ليؤكد، مرة أخرى، أن العالم يستطيع إطلاق المبادرات، وإعلان البرامج، وتكوين الشراكات، والحديث مطولاً عن التمويل، لكنه لا يزال يجد صعوبة في حسم الملفات السياسية الكبرى.

فملف الجفاف، مثلاً، أُجّل إلى ما بعد عامين، وكأن الأزمات الحساسة بدورها تنتظر موعداً مع المؤتمر القادم!

وهنا تكمن المفارقة. فقد تسبب الجفاف خلال العقود الخمسة الماضية في أضرار بشرية فاقت أضرار أي كارثة طبيعية أخرى.

ومع توفر البيانات والأدوات اللازمة اليوم، أصبح بالإمكان الحد من تحوّل الجفاف إلى مجاعات، وتهديد الأمن الغذائي، وتقويض جهود مكافحة الفقر، وما يصاحب ذلك من توترات وصراعات.

فالجفاف ليس ظاهرة يمكن تأجيل التعامل معها إلى الدورة القادمة. إنه واقع يضرب الزراعة والمياه والغذاء والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي في وقت واحد.

ولهذا، فإن الانتقال من سياسة الاستجابة بعد وقوع الكارثة إلى سياسة التخطيط والاستعداد وتقليل المخاطر لم يعد ترفاً تفاوضياً، بل ضرورة ملحة.

ولكن يبدو أن للبيروقراطية الدولية ساعةً أخرى غير ساعة الطبيعة؛ فبينما تجف الأنهار والبحيرات، وتذبل الحقول، وتتناقص الموارد، تواصل اللجان اجتماعاتها، والخبراء صياغاتهم، والمفاوضون مفاوضاتهم.

وفي النهاية، يبقى السؤال القديم الجديد:

هل تنجح المؤتمرات يوماً في إنقاذ الكوكب، أم أنها ستظل ناجحة فقط في إنقاذ المؤتمر القادم؟

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English