ختام مؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP17)

اختتمت في العاصمة المنغولية أولان باتور أعمال مؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD COP17)،

ختام مؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP17)

من أولان باتور إلى مصر 2028.. السودان أمام فرصة لتحويل المشاركة الدولية إلى شراكات ومشروعات لاستعادة الأراضي وتعزيز القدرة على الصمود

سنطة: رصد د.جلال محمد يس

اختتمت في العاصمة المنغولية أولان باتور أعمال مؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD COP17)، بعد أيام من النقاشات رفيعة المستوى والفعاليات الفنية والحوار بين الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمعات المحلية والشعوب الأصلية والشباب والنساء والجهات العاملة في قضايا الأراضي والجفاف والتنمية المستدامة.

وشكل المؤتمر محطة مهمة في مسار الجهود الدولية لمواجهة تدهور الأراضي والجفاف والتصحر، مع التركيز بصورة متزايدة على الحلول القائمة على المعرفة المحلية، واستعادة النظم البيئية، وتعزيز صمود المجتمعات، وتوفير التمويل اللازم لتنفيذ الالتزامات على أرض الواقع.

الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية.. من المشاركة إلى الشراكة

من أبرز محطات المؤتمر انعقاد أول اجتماعات رسمية لكل من تجمع الشعوب الأصلية وتجمع المجتمعات المحلية في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، وذلك بعد قرار الأطراف خلال مؤتمر الأطراف السادس عشر (COP16) في الرياض إنشاء التجمعين وتوفير مساحات مخصصة لعرض رؤاهما وأولوياتهما ضمن أعمال الاتفاقية.

وشهد COP17 كذلك أكبر تمثيل للشعوب الأصلية في تاريخ مؤتمرات الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، في مؤشر على التحول المتزايد نحو الاعتراف بدور أصحاب الحقوق وحاملي المعرفة التقليدية في حماية الأراضي وإدارتها واستعادتها.

وخلال فعالية رفيعة المستوى ضمن يوم الأرض والشعوب، جرى التأكيد على أن الشعوب الأصلية ليست مجرد مستفيد من برامج مكافحة التصحر، وإنما هي أصحاب حقوق، وحاملو معارف، وشركاء أساسيون في التنفيذ.

وسلطت المناقشات الضوء على أهمية نظم المعارف الأصلية، والحوكمة العرفية، والرعي المستدام، والإدارة المسؤولة للأراضي، إلى جانب ضرورة توسيع فرص الوصول المباشر إلى التمويل لتمكين المبادرات التي تقودها المجتمعات والشعوب الأصلية.

كما دعا ممثلو الشعوب الأصلية والرعاة والمجتمعات المحلية إلى تعزيز الحقوق المتعلقة بالأراضي والتنقل، وضمان مشاركتهم الفاعلة في صنع القرار، والاعتراف بالمعارف التقليدية في برامج استعادة الأراضي والتكيف مع الجفاف وبناء القدرة على الصمود.

النساء والشباب.. قادة المستقبل في استعادة الأراضي

لم تغب قضايا النساء والشباب عن أجندة المؤتمر، حيث أكدت المناقشات أهمية الاستثمار في قدرات الشباب باعتبارهم قوة رئيسية في استعادة الأراضي ومواجهة تحديات الجفاف والتغيرات المناخية.

كما برزت الدعوات إلى توسيع مشاركة النساء والشباب في عمليات صنع القرار والبرامج والمشروعات المتعلقة بإدارة الأراضي والموارد الطبيعية، بما يحولهم من فئات مستهدفة بالبرامج إلى شركاء وقادة في تنفيذ الحلول المستدامة.

من أولان باتور إلى مصر2028

 

ومع اختتام أعمال COP17، تتجه الأنظار إلى مؤتمر الأطراف الثامن عشر (COP18)، المتوقع عقده في مصر عام 2028، ليكون المحطة الدولية الرئيسية التالية لتقييم التقدم المحرز في استعادة الأراضي وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الجفاف.

وتسعى مصر، في إطار التحضير للمرحلة المقبلة، إلى تعزيز التعاون الدولي ودعم النهج المتكاملة في التعامل مع تدهور الأراضي وتغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي، بما يخدم الأمن الغذائي والمائي ويعزز قدرة المجتمعات والدول على الصمود.

وبذلك ينتقل المسار الدولي من أولان باتور إلى مصر، حاملاً معه مسؤولية تحويل النقاشات والتعهدات إلى برامج عملية واستثمارات ومشروعات قابلة للقياس والتنفيذ.

ماذا تعني مشاركة السودان؟

بالنسبة للسودان، لا ينبغي النظر إلى المشاركة في COP17 باعتبارها حضوراً بروتوكولياً أو مناسبة لتبادل المعلومات فقط، وإنما باعتبارها نافذة استراتيجية لإعادة بناء التعاون الدولي حول قضايا الأراضي والموارد الطبيعية والتنمية المستدامة.

فالسودان من أكثر الدول التي يمكن أن تستفيد من أجندة المؤتمر، نظراً لاتساع رقعة الأراضي المتدهورة، وتكرار موجات الجفاف، وتراجع الغطاء النباتي، والضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية، فضلاً عن تأثيرات الحرب والنزوح والفقر وتغير المناخ على المجتمعات الريفية والرعوية والزراعية.

ومن هنا يمكن للسودان تحويل مخرجات COP17 إلى مجموعة من الأولويات العملية، من بينها:

1. استعادة الأراضي المتدهورة

تطوير برنامج وطني واسع لاستعادة الأراضي المتدهورة ومكافحة التصحر، يربط بين استعادة الغطاء النباتي، وإعادة تأهيل المراعي، وحماية التربة، وحصاد المياه، واستعادة الغابات والأحزمة الشجرية.

2. استقطاب التمويل الدولي

العمل على تحويل الاحتياجات السودانية إلى مشروعات جاهزة للتمويل، والاستفادة من الآليات والصناديق الدولية ذات الصلة بالمناخ والتصحر والتنوع البيولوجي، مع تعزيز قدرة المؤسسات السودانية على إعداد المشروعات والوصول إلى التمويل.

3. دعم المجتمعات المحلية والرعاة

تُظهر تجربة COP17 أهمية وضع المجتمعات المحلية والرعاة في قلب سياسات مكافحة التصحر.

ويمثل ذلك فرصة للسودان للاستفادة من المعارف المحلية في إدارة المراعي والمياه والغابات، وإدماجها في برامج إعادة تأهيل الأراضي، بدلاً من الاعتماد على الحلول المركزية وحدها.

4. تعزيز الحزام الأخضر ومبادرات التشجير

يمكن للسودان إعادة طرح مبادراته الوطنية والإقليمية في مجال التشجير واستعادة الغطاء النباتي، وربطها بأهداف مكافحة التصحر والتكيف مع تغير المناخ وتحسين سبل كسب العيش.

كما يمكن تطوير مبادرات التشجير المجتمعي إلى مشروعات قابلة للتمويل الدولي، بدلاً من اقتصارها على الحملات الموسمية.

5. الربط بين التصحر والأمن الغذائي والمائي

ينبغي ألا يُنظر إلى مكافحة التصحر باعتبارها قضية بيئية منفصلة؛ فاستعادة الأراضي ترتبط مباشرة بالإنتاج الزراعي والرعوي، والأمن الغذائي، والمياه، والصحة، والهجرة، والاستقرار الاجتماعي.

ومن ثم يمكن للسودان بناء مقاربة وطنية متكاملة تربط بين الأرض والمياه والغذاء والمناخ والتنوع البيولوجي.

6. الاستثمار في الشباب والنساء

يمثل الشباب السوداني طاقة كبيرة يمكن توجيهها نحو مشروعات استعادة الأراضي، والتشجير، والزراعة المستدامة، وحصاد المياه، والطاقة النظيفة، والابتكار البيئي.

كما ينبغي تعزيز دور النساء في المشروعات المرتبطة بإدارة الموارد الطبيعية وسلاسل القيمة الزراعية والغابية والرعوية.

7. التكنولوجيا والابتكار

يمكن للسودان الاستفادة من التعاون الدولي في مجالات الاستشعار عن بُعد، والذكاء الاصطناعي، ونظم المعلومات الجغرافية، والإنذار المبكر للجفاف، وإدارة المياه، واستعادة الأراضي، لبناء منظومة حديثة لرصد التصحر وتوجيه التدخلات نحو المناطق الأكثر تضرراً.

من المشاركة إلى خطة عمل سودانية

الدرس الأهم من COP17 هو أن قيمة المشاركة الدولية لا تقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات التي تصدر، وإنما بقدرة الدولة على تحويل مخرجات المؤتمر إلى سياسات ومشروعات وشراكات وتمويلات تعود فائدتها على المجتمعات.

وعليه، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إعداد خطة وطنية للاستفادة من مخرجات COP17 وصولاً إلى COP18 في مصر 2028، تتضمن:

تحديد أولويات السودان في مكافحة التصحر واستعادة الأراضي.

إعداد حزمة مشروعات قابلة للتمويل الدولي.

بناء قاعدة بيانات وطنية حول تدهور الأراضي والجفاف.

تعزيز التنسيق بين المؤسسات الحكومية والجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني.

إشراك المجتمعات المحلية والرعاة والشباب والنساء في التخطيط والتنفيذ.

بناء شراكات مع الدول والمنظمات والمؤسسات التمويلية المشاركة في اتفاقية مكافحة التصحر.

الاستعداد المبكر للمشاركة السودانية في COP18 بمشروعات ومبادرات واضحة، وليس بمجرد المشاركة في الفعاليات.

السودان بين تحديات الحرب وفرص التعافي

وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، فإن قضايا الأرض والمياه والموارد الطبيعية ينبغي أن تكون جزءاً أساسياً من أي تصور لإعادة الإعمار والتعافي.

فإعادة تأهيل الأراضي والمراعي والغابات وحماية الموارد الطبيعية يمكن أن تسهم في خلق فرص العمل، ودعم المجتمعات النازحة والعائدة، وتحسين الأمن الغذائي، والحد من النزاعات حول الموارد، وتعزيز الاستقرار والسلام.

ومن هنا فإن مكافحة التصحر في السودان ليست مشروعاً بيئياً فقط؛ بل هي أيضاً مشروع للتعافي الاقتصادي والاجتماعي وبناء السلام والتنمية المستدامة.

الخلاصة

يمثل ختام COP17 في أولان باتور بداية مرحلة جديدة في التعامل الدولي مع قضايا التصحر وتدهور الأراضي والجفاف، خاصة مع تنامي الاعتراف بدور الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية والنساء والشباب باعتبارهم شركاء حقيقيين في صناعة الحلول.

ومن أولان باتور إلى مصر في 2028، تتاح أمام السودان فرصة مهمة لإعادة تقديم ملفه البيئي والتنموي على المستوى الدولي، مستنداً إلى احتياجاته الكبيرة وإمكاناته الطبيعية والبشرية.

والتحدي الحقيقي أمام السودان الآن هو الانتقال من المشاركة إلى المبادرة، ومن عرض التحديات إلى تقديم المشروعات، ومن طلب الدعم إلى بناء الشراكات، ومن التعهدات الدولية إلى نتائج ملموسة على الأرض.

إن تحويل مخرجات COP17 إلى برنامج سوداني عملي لاستعادة الأراضي، ومكافحة التصحر، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي، وبناء القدرة على الصمود في مواجهة الجفاف وتغير المناخ، يمكن أن يجعل من المشاركة السودانية في المؤتمرات الدولية أداة حقيقية للتعافي وإعادة البناء وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English