قبل أن تقطع الشجرة… اشحذ الفأس

لو أُعطيتُ ست ساعات لقطع شجرة، لقضيتُ الساعات الأربع الأولى في شحذ الفأس

قبل أن تقطع الشجرة… اشحذ الفأس

د.عبدالعظيم ميرغني

تُنسب إلى الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن مقولة شهيرة تقول:

«لو أُعطيتُ ست ساعات لقطع شجرة، لقضيتُ الساعات الأربع الأولى في شحذ الفأس.»

وأول ما ينبغي قوله هنا: هذه المقولة ليست دعوة إلى قطع الأشجار، ولا تحريضًا على إهدارها.

فـ«قطع الشجرة» في هذا السياق ليس إلا مثالًا لتوضيح فكرة أكبر: أن النجاح في إنجاز أي عمل لا يعتمد على الجهد وحده، وإنما على حسن الإعداد والتخطيط واختيار الأداة المناسبة.

لكن هنا يبرز سؤال آخر أكثر إثارة:

لماذا اختيرت الشجرة تحديدًا لتكون موضوع هذا المثل؟

لماذا لم يقل قائل الحكمة: لو أُعطيت ست ساعات لإنجاز مهمة، لقضيت أربعًا في الاستعداد لها؟

وقبل أن نمضي في تحليل سبب اختيار الشجرة والفأس في هذه المقولة، ربما يجدر بنا أن نتوقف عند سؤال أوسع:

لماذا كانت الشجرة حاضرة بهذا القدر في الأمثال والحِكم والنصوص الدينية؟

فالشجرة من أقرب الصور إلى وجدان الإنسان وأكثرها حضورًا في حياته..

ولعل هذا أحد أسباب قوة ضرب المثل بالشجرة؛ فهي صورة قريبة من الإنسان، يمكنه أن يراها ويفهمها ويستخلص منها المعنى دون حاجة إلى شروحات وإيضاحات طويلة.

ولعل من أبلغ ما يكشف عن مكانة الشجرة في التصوير القرآني أن القرآن لم يكتفِ بأن يجعلها مثلًا، بل جعل منها أقلامًا، وجعل البحر مدادًا، فقال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: 27]

فأي صورة أبلغ من هذه؟ أشجار الأرض كلها أقلام، والبحار كلها مداد، ومع ذلك لا تنفد كلمات الله.

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ۝ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: 24–25].

فالشجرة هنا ليست مجرد شجرة؛ بل أصبحت صورة لمعنى عظيم: أصل ثابت، وفرع ممتد، وثمر متجدد.

ومن هنا نعود إلى سؤالنا:

لماذا ضرب لينكولن المثل بالشجرة والفأس؟

ربما لأن الشجرة، دون غيرها، تحمل في ذاتها معاني كثيرة تجعلها مثالًا بالغ الدلالة.

فالشجرة تحتاج سنوات طويلة لتنمو، بينما قد لا يحتاج الإنسان إلا دقائق لإسقاطها.

وهذه وحدها حكمة عظيمة؛ فالبناء غالبًا يحتاج إلى زمن وصبر ورعاية، أما الهدم فقد يكون سريعًا وسهلًا.

ثم إن الفأس الحادة في المقولة ليست مجرد أداة؛ إنها رمز للمعرفة والخبرة والتخطيط.

فالذي يبدأ العمل بفأس حادة قد ينجز ما يريد بجهد أقل، بينما قد يهدر آخر ساعات طويلة وهو يستخدم أداة غير مناسبة أو غير مهيأة.

وهنا تتجاوز الحكمة موضوع الشجرة والفأس إلى الحياة كلها:

كم من عمل فشل لأننا استعجلنا التنفيذ قبل أن نستعد له؟

وكم من مشروع أُنفقت فيه أموال وجهود، بينما كان يحتاج قبل كل ذلك إلى دراسة جيدة وخطة واضحة وأدوات مناسبة؟

لكن اختيار الشجرة تحديدًا يحمل معنى آخر أكثر عمقًا.

الشجرة ليست خشبًا فقط.

فهي ظلٌّ في يوم قائظ، وثمرٌ وغذاء، وموئل لكائنات كثيرة، وحماية للتربة، ومساهمة في حفظ المياه، وامتصاص لثاني أكسيد الكربون، وجمال يضفي الحياة على المكان.

ولهذا فإن الإنسان عندما ينظر إلى الشجرة باعتبارها مجرد شيء يمكن قطعه، فإنه يرى جزءًا صغيرًا جدًا من قيمتها.

وربما تكون المفارقة الأجمل في هذه الحكمة أن الشجرة نفسها تعلّمنا الفرق بين البناء والهدم.

فقد تستغرق الشجرة سنوات، وربما عقودًا، حتى تنمو وتكبر وتصبح كبيرة وقوية باسقة؛ لكن إسقاطها قد لا يحتاج إلا إلى وقت قصير وفأس حادة.

وهذه ليست حال الأشجار وحدها.

إنها حال كثير من الأشياء في حياتنا:

نبني المؤسسات عبر أجيال، وقد نهدمها بقرار متعجل.

نربي الإنسان سنوات، وقد تؤذيه كلمة في لحظة.

ونزرع الشجرة عقودًا، وقد نقطعها في دقائق.

ولهذا، حين نسمع المقولة مرة أخرى، ربما يجدر بنا ألا نتوقف عند شحذ الفأس فقط، بل أن نسأل أنفسنا:

هل فكرنا أصلًا: هل ينبغي أن نقطع الشجرة؟

فليست كل شجرة أمامنا هدفًا للفأس، وليست كل مهمة ينبغي أن نبدأ بتنفيذها لمجرد أننا نملك الأدوات اللازمة لتنفيذها.

أحيانًا يكون أعظم قدر من الحكمة ليس في أن نُحسن قطع الشجرة، وإنما في أن نعرف متى لا ينبغي قطعها أصلًا.

وهكذا تتحول المقولة، من مجرد حكمة عن الاستعداد للعمل، إلى درس أوسع:

خطط قبل أن تعمل، وأحسن اختيار أدواتك، ولا تستعجل الهدم… وتذكر دائمًا أن ما استغرق سنوات في بنائه قد لا يحتاج إلا دقائق لتدميره.

وربما لهذا كله كانت الشجرة أفضل ما يمكن أن يُضرب به هذا المثل.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English