أربعة مؤتمرات للتصحر… وغياب الاستمرارية في السودان

د.عبدالعظيم ميرغني
خلال السنوات السبع الماضية، شهد العالم ثلاثة مؤتمرات رئيسة للتصحر: COP14 في نيودلهي عام 2019، وCOP15 في أبيدجان عام 2022، وCOP16 في الرياض عام 2024.
وفي أغسطس 2026 الجاري، يتجه العالم إلى المؤتمر الرابع، COP17 في أولان باتور بمنغوليا.
وبين مؤتمر وآخر، تراكمت القرارات والتوصيات، وانتقل الاهتمام الدولي من مواجهة تدهور الأراضي والجفاف إلى استعادة الأراضي وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود، وصولًا إلى التركيز على التنفيذ والتمويل.
لكن السؤال الذي يهم السودان ليس فقط: ماذا قرر العالم؟
بل: ماذا فعلنا نحن؟
فالسودان من أكثر البلدان تعرضًا لمخاطر التصحر وتدهور الأراضي، وتعتمد قطاعات واسعة من سكانه على الزراعة والرعي والغابات.
عرف السودان منذ عقود لجانًا ومؤسسات وبرامج وخططًا لمكافحة التصحر، وحقق بعضها نتائج طيبة.
لكن هذه الجهود ظلت في كثير من الأحيان متفرقة، وتأثرت بالظروف السياسية، وتغيرت المؤسسات وتبدلت المسميات، بينما بقي التصحر يتقدم بوتيرة أكثر ثباتًا من مؤسسات مكافحته.
وهنا تكمن المفارقة: التصحر ظاهرة بطيئة، تحتاج إلى عمل طويل الأجل، بينما عالجناه كثيرًا بعقلية المشروع القصير الأجل.
فالشجرة تحتاج سنوات حتى تنمو، والتربة تحتاج سنوات حتى تتعافى، والمرعى يحتاج وقتًا حتى يستعيد قدرته، بينما قد ينتهي المشروع بانتهاء التمويل.
وكان من المفترض أن يمثل المجلس القومي لمكافحة التصحر، المنصوص عليه في قانون التصحر لعام 2009، خطوة لمعالجة هذه المشكلة.
غير أن المجلس، الذي أُنشئت أمانته العامة عام 2017، وكان له دور في جهود السودان خلال COP14 عام 2019، أُلغي عام 2020، قبل أن يترسخ ككيان مؤسسي دائم وآلية قومية عليا لتنسيق جهود مكافحة التصحر وضمان استمراريتها وتكاملها.
وفي محاولة لسد هذا الفراغ المؤسسي، أصدر مجلس الوزراء الانتقالي القرار رقم (170) لسنة 2025م، المتعلق بإعادة إنشاء المجلس القومي لمكافحة التصحر، باعتباره الآلية العليا لتوحيد الجهود الوطنية وضمان استمرارية السياسات والاستراتيجيات والبرامج الخاصة بمكافحة التصحر وتدهور الأراضي.
غير أن القرار ظل دون تنفيذ.
وهنا يصبح غياب المجلس أكثر من مجرد غياب مؤسسة؛ إنه تعبير عن مشكلة أعمق: غياب الآلية التي تضمن استمرار العمل الوطني في مكافحة التصحر عندما تتغير الحكومات والسياسات أو ينتهي التمويل الخارجي.
فالتصحر لا يعرف حدود وزارة أو مؤسسة.
إنه قضية تتداخل فيها الزراعة والرعي والغابات والمياه والتنمية الريفية والمجتمعات المحلية.
ولهذا لا يمكن أن تنجح مكافحته إذا ظلت جهودها موزعة بين مؤسسات متعددة، دون آلية عليا تجمعها وتنسق بينها وتتابع تنفيذها.
فالسودان لديه خبرة طويلة في الأحزمة الخضراء، وتثبيت الكثبان، وحصاد المياه، والإدارة المجتمعية للغابات، ومشروعات مكافحة التصحر.
فالمشكلة ليست أننا لا نعرف ماذا نفعل، بل أننا لا نضمن استمرار ما نعرفه.
ولهذا، ينبغي أن تكون رسالة السودان في COP17 مختلفة.
لا أن يقول فقط: نحن دولة متضررة من التصحر.
فهذه حقيقة معروفة.
ولا أن يطلب تمويلًا جديدًا فحسب.
بل أن يقول: لدينا خبرة.
ولدينا معرفة.
ولدينا أولويات واضحة.
لكننا نحتاج إلى دعم برنامج وطني طويل الأجل، تقوده مؤسسة وطنية مستقرة، وتشارك فيه كل الجهات ذات الصلة.
فالتمويل الخارجي يمكن أن يساعد في إطلاق المشروع، لكنه لا يستطيع أن يضمن استمراره.
والمؤتمر يمكن أن يصدر التوصيات، لكنه لا يستطيع أن ينفذها على الأرض.
والاستراتيجية يمكن أن تحدد الطريق، لكنها لا تستطيع أن تسير وحدها.
ولذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم ونحن نتجه إلى COP17: ماذا سيقرر العالم بشأن التصحر؟
بل: هل نملك نحن المؤسسة التي تضمن أن نستمر فيما قرره العالم؟
فالتصحر لا ينتظر مؤتمرًا جديدًا.
والأرض التي نفقدها اليوم قد لا نستطيع استعادتها غدًا.
وبعد كل هذه العقود، قد يكون الدرس الأهم للسودان من مؤتمرات التصحر الأربعة هو أن:
مكافحة التصحر لا تبدأ بخطة جديدة، بل بمؤسسة تستمر.
واستعادة الأرض تبدأ باستعادة الإرادة التي تحميها.


