هل تنقذ «الغابة والبحر» ما دمّرته الحروب والأزمات الاقتصادية في السودان؟
بمناسبة اليوم العالمي للتنوع البيولوجي 2026، يتردد صدى شعار "العمل محلياً من أجل تأثير عالمي" في تفاصيل حياتنا اليومية بالسودان، حيث يتجاوز التنوع البيولوجي
هل تنقذ “الغابة والبحر” ما دمرته الحروب والأزمات الاقتصاديّة في السودان؟
د. أمير عوض
مركز بحوث الحياة البرية
بمناسبة اليوم العالمي للتنوع البيولوجي 2026، يتردد صدى شعار “العمل محلياً من أجل تأثير عالمي” في تفاصيل حياتنا اليومية بالسودان، حيث يتجاوز التنوع البيولوجي حدود الرفاهية البيئية ليصبح “شبكة الأمان الأخيرة” ضد المجاعة والانهيار الاقتصادي. إننا نتحدث عن بلد يعتمد فيه أكثر من 70% من سكانه في الريف والقرى على مخزن الطبيعة هذا بشكل مباشر كمصدر رئيسي للرزق والبقاء، (وفقاً لتقارير البيئة للأمم المتحدة)، مما يجعل الحفاظ على هذا الإرث الطبيعي معركة وجودية حاسمة.
تتجلى عظمة هذا التنوع في كونه صمام الأمان الأول ضد المجاعة؛ فعندما تضرب الأزمات وتفشل المواسم الزراعية، تتحول ثمار “التبلدي”، “النبق”، “اللالوب” والأسماك النيلية إلى خط دفاع ينقذ ملايين الأرواح من سوء التغذية. ولا يقتصر هذا الأثر على الداخل، بل يمتد ليمنح السودان سيادة اقتصادية عالمية عبر “الصمغ العربي”، الذي ينتج السودان الغالبية العظمى من جودته العالمية (بحسب منظمة الفاو). إن حماية أشجار الهشاب والطلح في حزام الصمغ العربي ليست مجرد حماية للغطاء النباتي، بل هي تأمين لجيوب المنتجين المحليين وضمان لاستمرار سلاسل الإمداد لأكبر شركات الأغذية والأدوية في العالم. وفوق هذا وذاك، يمثل هذا التنوع الصيدلية الطبيعية والبديلة لملايين المواطنين في ظل انهيار المنظومة الصحية، حيث توفر المعرفة التقليدية بالأعشاب الطبية ولحاء الأشجار العلاج الوحيد المتاح للأمراض المعوية والملاريا.
هذا الامتداد البيئي لا يتوقف عند حدود اليابسة، بل يمتد عبر ساحل سوداني يبلغ طوله نحو 750 كيلومتراً على البحر الأحمر، وهو موطن لأنقى الشعاب المرجانية وأكثرها صموداً أمام تغير المناخ عالمياً (وفقاً لليونسكو). هذا الكنز الأزرق يشكل شريان حياة ومصدر رزق مستدام لآلاف الصيادين والمجتمعات الساحلية، ومخزناً هائلاً للثروة السمكية القادرة على دعم الاقتصاد القومي. وفي ذات الوقت، تلعب الطبيعة البرية دور “المهندس الصامت” للمياه والنيل؛ إذ تعمل الغابات النيلية كمنظم طبيعي لجريان النهر، وتقلل من حدة الفيضانات الكارثية، وتمنع تآكل الضفاف (الهدّام)، بينما تتولى الطيور والحشرات البرية مهمة التلقيح الطبيعي للمحاصيل، مدعومة بأصناف نباتية محلية تمتلك تنوعاً وراثياً يجعلها تقاوم الجفاف والآفات دون الحاجة لأسمدة مستوردة.
إن كل جهد محلي مبذول على أرض السودان هو في حقيقته خط الدفاع الأخير ضد التصحر الذي يهدد شمال إفريقيا بأكملها؛ فالرعاة عندما يحافظون على مراعيهم التقليدية، والمزارعون عندما يثبتون أحزمة الصمغ العربي، لا يضمنون لقمة عيشهم فحسب، بل يساهمون في امتصاص الكربون وتنظيم المناخ العالمي.
لكن هذا النظام البيئي المتكامل يواجه اليوم خطراً داهماً جراء الحروب، والنزوح القسري، والتوسع الزراعي غير المدروس، والصيد الجائر في البر والبحر. هذه الممارسات تكسر الحلقة الذكية التي حمت البيئة لقرون، والحل لن يأتي من المؤتمرات المغلقة، بل بتمكين حراس الأرض من السكان المحليين ودعم قراراتهم. إن تدمير شجرة أو تلوث شِعب مرجاني في السودان هو بداية جفاف وانهيار في مكان آخر من العالم، وحمايتها هي خطوتنا الأولى والأساسية نحو البقاء والاعتماد على الذات.


