بحوث الغابات في السودان… خمسة وسبعون عاماً من خدمة الغابة والوطن
بمناسبة اليوبيل الماسي (1/2)
1950–2025

د.عبدالعظيم ميرغني
إذا كانت الغابات هي ذاكرة الأرض، فإن البحث العلمي هو مفتاح فهمها، يفسر ظواهرها، ويحفظ خبرتها، ويقود تطويرها.
فما تحقق للغابات السودانية من تقدم عبر أكثر من قرن لم يكن ثمرة الإدارة الميدانية وحدها، وإنما أسهمت في صنعه، إلى جانبها، منظومة بحثية راسخة ظلت تمد العمل الغابي بالمعرفة، وتحول نتائجها إلى تطبيقات عملية في الميدان.
وعندما نحتفي اليوم بمرور خمسة وسبعين عاماً على تأسيس قسم بحوث الغابات عام 1950، فإننا لا نؤرخ لبداية البحث الغابي في السودان، وإنما لبداية العمل البحثي المؤسسي المنظم، إذ تعود جذور البحث العلمي في الغابات إلى ما قبل ذلك بأربعة عقود.
ففي عام 1911 شهد السودان، وفق السجلات التاريخية المتاحة، أولى بحوث الصمغ العربي من خلال تجارب حقلية في السعاتة بخاري وأم روابة بشمال كردفان، بهدف استزراع الهشاب.
ثم توسعت البحوث لتشمل استجلاب أنواع شجرية واعدة، إلى جانب فلاحة الأنواع المحلية، وفي مقدمتها السنط النيلي.
أما التحول المؤسسي فقد تحقق عام 1950 بإنشاء قسم بحوث الغابات بشرق السودان في ود مدني، أول مؤسسة متخصصة في بحوث الغابات بالبلاد.
وقد أشرف على تأسيسه الباحث البريطاني جاكسون، الذي تلقى تدريباً متخصصاً في بحوث فلاحة الغابات، وركز القسم في سنواته الأولى على تجارب استجلاب الأنواع الشجرية سريعة النمو وبعض الأشجار الشوكية الأسترالية.
وبعد السودنة عام 1957، جعل مدير الغابات الدكتور كامل شوقي البحث العلمي في مقدمة أولوياته، فأبقي على خدمات الخبير البريطاني فايدال هول لمواصلة بحوث الهشاب بمنطقة الأبيض، ثم استقدم لاحقاً الباحث البلجيكي ريندرز، بمعاونة الخبير السوداني أبو القاسم سيف الدين، لتنفيذ بحوث الهشاب.
وأسفر عملهما عن دراسات رائدة في فلاحة الهشاب، وإنشاء غابة الدموكية التي غدت لاحقاً من أهم مواقع حفظ الموارد الوراثية للهشاب في السودان.
كما وفر كامل شوقي تمويلاً لإجراء بحوث متخصصة في كيمياء الصمغ العربي بجامعة إدنبرة، بعد اعتذار جامعة الخرطوم عن تنفيذها، إذ كانت أولوياتها آنذاك تنصرف إلى أعباء التدريس أكثر من البحث العلمي.
وأُسندت هذه الدراسات إلى البروفيسور آندرسون، الذي وضع أول مواصفة عالمية لصمغ الهشاب عام 1976.

ومع اتساع الاهتمام الرسمي بالبحث العلمي، طلبت حكومة السودان عام 1962 مساعدة الأمم المتحدة لإنشاء معهد لأبحاث وتعليم الغابات بسوبا، ليدخل البحث الغابي مرحلة جديدة من التطور.
وقد وفر المعهد بيئة علمية متكاملة للبحث والتدريب، وأسهم في إعداد أجيال من الباحثين ودعم تطوير قطاع الغابات.
وقد أتيحت لي، بعد تخرجي في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، فرصة العمل بقسم بحوث الغابات بشرق السودان. وبرغم حداثة تخرجي، كُلِّفت بإدارة القسم عقب انتقال رئيسه الدكتور صلاح الدين جودة حسين إلى قسم الغابات بجامعة الخرطوم، فكانت تجربة مبكرة حملتني مسؤولية إدارة أحد أقسام محطة بحوث الجزيرة إلى جانب أقسام يقودها علماء وباحثون من أصحاب الخبرة الطويلة. وكان ذلك رغم وجود كوادر فنية ضليعة بالقسم، إذ كان نظام هيئة البحوث الزراعية يقصر رئاسة الوحدات البحثية على الباحثين.
وهكذا انتقلت بحوث الغابات في السودان، خلال نصف قرن، من تجارب ميدانية محدودة إلى منظومة بحثية مؤسسية أرست الأساس الذي قامت عليه برامج البحث والتطوير في العقود التالية، وهو ما نتناوله في الجزء الثاني من هذا المقال.
يتبع… (2/2)


