محمية الدندر القومية: كل عام يسقط شهداء .. والرعاة يدفعون نصف القطيع ثمنًا للعلف
فالرعاة المحليين ورعاة قبائل الأمبررو والشفتة الإثيوبية لم يعودوا يجدون مرعى ولا ماء في أراضيهم،
محمية الدندر القومية: كل عام يسقط شهداء .. والرعاة يدفعون نصف القطيع ثمنًا للعلف
د. أمير عوض محمد محجوب
مركز بحوث الحياة البرية
لماذا يقتحم الرعاة أقدم محمية في أفريقيا رغم أن عقوبتهم تصل إلى مصادرة نصف مواشيهم؟ ولماذا يسقط كل عام شهداء من قوات الحياة البرية في مواجهات معهم؟ الإجابة الموجعة تكمن في الجفاف والجوع ونضوب الحفائر والميعات ومصادر المياه الأخرى خارج المحمية. فالرعاة المحليين ورعاة قبائل الأمبررو والشفتة الإثيوبية لم يعودوا يجدون مرعى ولا ماء في أراضيهم، بعد أن التهمت الزراعة الآلية المراعي العازلة، وجففت الحفائر التي كانت تروي القطعان بفعل الجفاف المتكرر. فلم يبق أمامهم سوى خيار واحد: اقتحام محمية الدندر القومية مهما كلفهم الأمر.
عقوبة الإدارة لا ترحم، فهي تصل إلى مصادرة نصف القطيع، لكن حتى هذه العقوبة القاسية لم تردعهم، لأن موت الماشية جوعًا وعطشًا أشد إيلامًا من خسارة النصف. والمأساة الأكبر أن الاشتباكات بين الرعاة وقوات الحياة البرية تتحول كل عام إلى معارك يسقط خلالها شهداء من رجال الحياة البرية، الذين يفترض أنهم يدافعون عن المحمية. أرواح تزهق، وعائلات تفقد معيلها، والمحمية تتحول إلى ساحة صراع دموي عابر للحدود.
وليس الرعي الجائر وحده من يهدد المحمية، بل أيضًا قطع الأشجار على نطاق واسع لأغراض حطب الوقود وإنتاج الفحم النباتي، حيث تعتمد المجتمعات المحلية والمستوطنون حول المحمية على الأخشاب كمصدر رئيسي للطاقة وسبل العيش، مما يؤدي إلى تآكل الغطاء الشجري وتدهور الموائل الطبيعية للحيوانات البرية. ويزيد الطين بلة انتشار السلاح والسيولة الأمنية المتردية في المنطقة، إذ يتوافر السلاح بأيدي الرعاة والصيادين والمخالفين بسهولة، مما يحول أي اشتباك عابر إلى مواجهة دامية، ويعقد مهمة قوات الحياة البرية في فرض القانون وحماية المحمية.
في الوقت نفسه، تدفع البيئة ثمنًا مضاعفًا: المراعي الطبيعية تدمر تحت أقدام آلاف الرؤوس، والميعات تنضب وتختنق فيها الأسماك والطيور المهاجرة، والتربة تتآكل، والغابات تنكمش يومًا بعد يوم. وثمة عاملان آخران يفاقمان المأساة، أولهما غياب خطط استخدامات الأراضي حول المحمية، حيث أدى التوسع العشوائي للزراعة الآلية والمستوطنات والرعي دون تنظيم إلى فوضى بلا حدود واضحة. وثانيهما قلة التمويل من المنظمات الدولية، فرغم وجود برامج من UNDP وUNEP وUNESCO وGEF، إلا أن التمويل المقدم لا يزال شحيحًا وغير كافٍ لتوفير بدائل مستدامة كالحفائر والمراعي خارج الأسوار أو لدعم خطط استخدامات الأراضي أو توفير مصادر طاقة بديلة للحد من قطع الأشجار.
الحل إذاً ليس في تشديد المصادرات ولا في قوة السلاح، بل في تمويل حقيقي، وتوفير حفائر وميعات ومراعٍ بديلة خارج المحمية، ووضع خطط ملزمة لاستخدامات الأراضي، ونزع السلاح من المخالفين وضبط الحدود،، وإشراك المجتمعات المحلية كشركاء. وإلا فالشهداء والمحمية معًا في خطر.


