ميسي وسد النهضة… لماذا لا يكفي نجم واحد؟

د.عبدالعظيم ميرعني
يرى كثير من عشاق كرة القدم أن ميسي أعظم لاعب في التاريخ، لكن حتى هذه العبقرية لم تكن كافية للفوز بكأس العالم وحدها.
وهذا، في تقديري، هو أهم ما يكشفه لنا ملف سد النهضة.
قاد ملف التفاوض مهندسو الموارد المائية، فحقق السودان مكاسب مهمة في تنظيم جريان النيل الأزرق، وتقليل الإطماء، وتحسين كفاءة الري، والحد من مخاطر الفيضانات، وفتح الباب أمام الاستفادة من الكهرباء الإثيوبية.
غير أن سد النهضة لم يكن مشروعًا مائيًا فحسب، بل مشروعًا يعيد تشكيل البيئة والاقتصاد والمجتمع.
وهنا برزت ملفات لم تجد من يمثلها على طاولة التفاوض.
لكن مع بدء التشغيل الفعلي للسد، برزت تساؤلات جديدة، من بينها ما يثار هذه الأيام حول انحسار مناسيب النيل ومستقبل الغابات النيلية، وهو ما يؤكد أهمية استمرار التقييم العلمي.
لم يكن السودان بحاجة إلى “ميسي” في هندسة المياه وحدها، بل إلى فريق وطني متعدد التخصصات؛ فالمباريات الكبرى لا تُكسب بنجم واحد، بل بفريق متكامل.
ولم يكن الخلل في حضور مهندسي المياه، بل في غياب بقية الفريق.
فبغيابهم غابت عن أجندة التفاوض قضايا الغابات النيلية، والأراضي الرطبة، والتنوع الحيوي، والثروة السمكية، والخدمات البيئية، والفرص الاقتصادية التي كان يمكن تعظيمها.
ولم يكن الهدف رفض سد النهضة، بل تعظيم مكاسب السودان وتقليل مخاطره.
وما يثار اليوم بشأن انحسار مناسيب النيل ومستقبل الغابات النيلية يؤكد أن هذه الملفات لم تكن هامشية، بل كانت تستحق أن تكون جزءًا من أجندة التفاوض منذ البداية.
فغياب العمل متعدد التخصصات لم يقتصر على سد النهضة، بل لازم كثيرًا من الملفات البيئية في السودان.
ويبرز الدستور الانتقالي أيضاً مثالًا على أهمية إشراك المختصين، إذ جاءت بعض النصوص البيئية طموحة، إلا أن بعضها واجه تحديات في الدقة أو قابلية التطبيق.
لقد حقق مهندسو الموارد المائية ما يستطيع مهندس المياه أن يحققه، لكن السودان كان يحتاج إلى أكثر من ذلك.
فما كسبناه كان ثمرة حضورهم، أما ما لم ننجح في تحقيقه، فربما كان يمكن أن يكون أكبر لو اكتمل الفريق.
وليست هذه محاكمة للماضي، بل رسالة للمستقبل.
فالقضايا الوطنية الكبرى لا يكسبها “ميسي” واحد، بل فريق وطني متعدد التخصصات تتكامل فيه الخبرات وتتوزع فيه الأدوار.
ففي كرة القدم قد يصنع ميسي الفارق، لكنه لا يحصد الكأس وحده.
وكذلك الأوطان.
لا تبنيها عبقرية تخصص واحد، بل تكامل جميع التخصصات.
فكل تخصص يغيب عن الفريق قد تضيع معه مصلحة وطنية لا يعوضها تخصص آخر.


