الرجل الذي رأى الغابة من نافذة الناس جيم بول… من حطب الوقود في السودان إلى ذاكرة الغابات العالمية

حين نتأمل تاريخ الغابات في السودان، نجد أن بعض المشروعات لا تبقى في الذاكرة لأنها أنجزت أنشطة فنية فحسب، بل لأنها فتحت طريقًا جديدًا في التفكير والعمل.

الرجل الذي رأى الغابة من نافذة الناس

جيم بول… من حطب الوقود في السودان إلى ذاكرة الغابات العالمية

أ.د طلعت دفع الله عبد الماجد

حين نتأمل تاريخ الغابات في السودان، نجد أن بعض المشروعات لا تبقى في الذاكرة لأنها أنجزت أنشطة فنية فحسب، بل لأنها فتحت طريقًا جديدًا في التفكير والعمل. ومن بين هذه المشروعات يبرز مشروع «تطوير حطب الوقود للطاقة في السودان»، الذي مثّل في ثمانينيات القرن الماضي تجربة مرجعية في الإدارة الغابوية، والإرشاد، وبناء القدرات، وربط قضايا الطاقة الريفية بإدارة الموارد الطبيعية. وفي قلب هذه التجربة يقف اسم الخبير البريطاني الراحل مستر جيم بول، الذي تولّى إدارة المشروع خلال الفترة من 1982 إلى 1989، وترك أثرًا مهنيًا وإنسانيًا ظل حاضرًا في ذاكرة كثير من العاملين في قطاع الغابات السوداني.

كان جيم بول من خريجي كلية الغابات بجامعة إدنبرة، تلك المدرسة العريقة التي تخرّج فيها عدد من رواد الغابات في السودان، من بينهم الراحلان التجاني ساتي وعلي أحمد سليم. ولم يكن ارتباطه بالسودان ارتباط خبير أجنبي جاء لأداء مهمة محددة ثم غادر؛ بل كان ارتباط ميدان ومعايشة وتعلّم متبادل. فقد عمل وسط المجتمعات، وتجوّل في مواقع المشروع، واحتكّ بالمهنيين والفنيين والمرشدين، حتى اكتسب معرفة عميقة بطبيعة الموارد، وأنماط استخدام الناس للأشجار والوقود، وطبيعة التحديات التي تواجه الغابات في السودان.

 مشروع تطوير حطب الوقود للطاقة من المشاريع الرائدة التي أسهمت في نقل العمل الغابوي في السودان من حدود النشاط التقليدي إلى رحاب التخطيط العلمي المتكامل. فقد أنتج المشروع أكثر من ثمانين منشورًا في قضايا الإدارة الفنية، والإرشاد الغابوي، والطاقة، والجندر، والغابات المروية ،والطبيعية. كما ساهم في ابتعاث عدد من قيادات الهيئة القومية للغابات للدراسات العليا، وإتاحة فرص واسعة لضباط الحقل للمشاركة في رحلات دراسية ودورات تدريبية في بلدان مختلفة. وكان الهدف من ذلك واضحًا: بناء كوادر قادرة على إدارة الغابات لا بوصفها مخزونًا من الحطب والخشب فقط، بل بوصفها موردًا بيئيًا واجتماعيًا واقتصاديًا متشابكًا.

ومن أبرز ما ارتبط بإرث هذا المشروع الدراسات المرجعية الكبرى التي أفادت قطاع الغابات لاحقًا، مثل دراسة استهلاك منتجات الغابات لعام 1995، ودراسة الحصر القومي للغابات لعام 1998. وربما لا تكمن قيمة هذه الدراسات في أرقامها وحدها، بل في أنها عززت ثقافة الاعتماد على البيانات والمسوحات والتحليل في اتخاذ القرار، وهي ثقافة كان قطاع الغابات في أمسّ الحاجة إليها في مرحلة اشتد فيها الضغط على الموارد الطبيعية وتزايد فيها الطلب على حطب الوقود والفحم النباتي.

لم يكن جيم بول مدير مشروع بالمعنى الإداري الضيق. كان رجلًا شديد التنظيم، يذهب إلى الميدان وهو يعرف لماذا يذهب، وماذا يريد أن يناقش، وما الذي ينبغي أن يعود به من أسئلة ونتائج. قبل أي زيارة حقلية كان يُعد قائمة دقيقة بالموضوعات التي سيناقشها، ويُخطر رئاسة الهيئة ببرنامج زيارته، ويطلب تزويده مسبقًا بأهم القضايا والتحديات في الموقع المعني. وكان يطّلع على المراجع المنشورة والتقارير المتاحة، ليصل إلى الحقل محمولًا بذخيرة معرفية تمكّنه من الحوار الجاد، لا من الاكتفاء بالملاحظات السريعة.

وقد عمل في مناطق مختلفة شملت الجزيرة، وسنار، والنيل الأزرق، والخرطوم، وكسلا، وغيرها من مواقع المشروع. ومن خلال هذا العمل الميداني المكثف، تشكلت لديه معرفة واسعة بالمجتمعات المحلية، وبأنماط استخدام الحطب والفحم، وبالعلاقة اليومية بين الناس والغابة. لذلك أصبح مرجعًا مهمًا لكثير من مشاريع الغابات والطاقة الحيوية العاملة في السودان آنذاك، ليس فقط بسبب موقعه في المشروع، بل بسبب قدرته على الربط بين التفاصيل الفنية والسياق الاجتماعي.

كانت له ذاكرة مهنية قوية، وقدرة لافتة على متابعة أعمال الخبراء الدوليين ونظرائهم السودانيين في المركز والحقل. وكان بارعًا في بناء الشبكات المهنية والتنسيق مع المنظمات والمشروعات ذات الصلة بالغابات والطاقة والتنمية الريفية. ولعل هذه القدرة على التشبيك واحدة من أهم أسباب الأثر الذي تركه؛ فقد كان يدرك أن قضايا حطب الوقود لا تُحل داخل مكتب واحد، ولا عبر قطاع واحد، بل عبر تفاعل بين الغابات، والزراعة، والطاقة، والقرى، والأسواق، والنساء، والمرشدين، وصانعي القرار.

في تجربة السودان، برزت أهمية جيم بول في إدراكه المبكر أن حطب الوقود ليس قضية فنية معزولة، بل قضية معيشة يومية. فالحطب والفحم كانا ولا يزالان في أجزاء واسعة من البلاد جزءًا من اقتصاد الأسرة، ومن وقت النساء، ومن ميزانية الفقراء، ومن صحة البيئة، ومن مصير الغطاء الشجري. لذلك لم يكن الإرشاد الغابوي في المشروع مجرد نشرات وملصقات، بل كان محاولة لفهم السلوك، وتغيير الممارسة، وتحسين البدائل، وتدريب المجتمعات والفنيين على رؤية الغابة باعتبارها موردًا يجب أن يبقى وينتج في الوقت نفسه.

وفي عام 1991 انتقل جيم بول إلى مقر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في روما، لتتسع دائرة تأثيره من العمل الميداني في الدول النامية إلى قضايا المعلومات والسياسات الغابوية على المستوى الدولي. فقد شغل مواقع متقدمة في مجال زراعة الغابات والموارد الوراثية، وأسهم في تطوير التوجهات العالمية المتعلقة بزراعة الأشجار، وصون الموارد الوراثية، وتعزيز الإدارة المستدامة للغابات.

ومن المحطات المهمة في مسيرته داخل الفاو توليه رئاسة وحدة المعلومات والعلاقات في قسم الغابات، وإشرافه على عدد من المنشورات الفنية. وكان من أبرز أدواره عمله في تحرير ودعم مجلة Unasylva، وهي من أقدم المجلات المتخصصة في قضايا الغابات على المستوى الدولي. وتكتسب هذه التجربة أهميتها من أن المعرفة الغابوية لا تنتشر بالمشروعات وحدها، بل بالنشر العلمي والمهني الذي يربط الخبرات المحلية بالنقاش العالمي.

كما ارتبط اسمه ببرنامج تقييم الموارد الغابية العالمية، وهو من أهم برامج الفاو في جمع وتحليل ونشر البيانات عن حالة الغابات في العالم. وقد شارك في عرض نتائج تقييم عام 2000 في محافل دولية، وأسهم في ترسيخ فكرة أن السياسات الجيدة لا تُبنى على الانطباعات، بل على المعلومات الموثوقة والبيانات القابلة للمقارنة. وهذه الفكرة، في جوهرها، هي الامتداد الطبيعي لما مثّله مشروع حطب الوقود في السودان: الانتقال من التقدير العام إلى القياس، ومن الاجتهاد الفردي إلى التخطيط المبني على الأدلة.

بعد تقاعده من الفاو في أوائل الألفية، لم يبتعد جيم بول عن مهنة الغابات. فقد واصل حضوره المهني من خلال رابطة الغابات للكومنولث، حيث تولى رئاستها، وشارك في ربط خبراء الغابات من دول الكومنولث، وتعزيز تبادل المعرفة والخبرة، ودعم الشباب والمهنيين الجدد. كما ظل حاضرًا في المجال العلمي من خلال عضويته في الهيئة الاستشارية لمجلة International Forestry Review، بما يعكس وفاءه للبحث والنشر وتداول المعرفة.

إن ما يميز سيرة جيم بول أنها جمعت بين ثلاثة عوالم قلّما تجتمع في شخص واحد بهذا الوضوح: عالم الميدان، حيث تُختبر الأفكار في القرى والمشاتل والغابات؛ وعالم المؤسسات الدولية، حيث تُصاغ السياسات وتُبنى قواعد البيانات؛ وعالم الشبكات المهنية، حيث تنتقل الخبرة من جيل إلى جيل ومن بلد إلى آخر. لذلك لم يكن أثره محدودًا بما أنجزه في السودان أو في الفاو، بل امتد إلى طريقة التفكير في الغابات بوصفها موردًا يحتاج إلى معرفة، ومؤسسات، وشراكات، والتزام طويل النفس.

يتذكره كثير من زملائه بوصفه خبيرًا عميق المعرفة، منظمًا في عمله، دقيقًا في متابعته، وكريمًا في تعامله. كان قريبًا من المهنيين الشباب، داعمًا لزملائه، ومؤمنًا بأن بناء القدرات لا يقل أهمية عن تنفيذ الأنشطة. وهذه صفة نادرة في الخبراء الدوليين؛ فبعضهم يترك تقريرًا، وبعضهم يترك مشروعًا، أما جيم بول فقد ترك أيضًا أثرًا في الناس الذين عملوا معه، وفي الطريقة التي تعلّموا بها النظر إلى الغابة والمجتمع والطاقة.

توفي جيم بول في 20 أبريل 2020 عن عمر ناهز الثمانين عامًا. وقد قوبل رحيله بحزن عميق في الأوساط المهنية الدولية، إذ نُشرت عنه كلمات وفاء وتقدير، من بينها ما صدر في مجلة International Forestry Review، وما عبّرت عنه مؤسسات ومنظمات مهنية عرفته عن قرب. لم يكن الحزن على رحيله حزنًا على خبير تقاعد من عمله، بل على رجل ظل وفيًا لمهنته حتى آخر الطريق.

يبقى إرث جيم بول حاضرًا في أكثر من مستوى. في السودان، يظل اسمه مرتبطًا بمشروع تطوير حطب الوقود للطاقة، ذلك المشروع الذي أسهم في بناء معرفة غابوية تطبيقية، وفتح مجالًا واسعًا للتدريب والنشر والإرشاد، وربط الطاقة الريفية بإدارة الموارد الطبيعية. وعلى المستوى الدولي، يبقى اسمه حاضرًا في مسارات المعلومات الغابوية، وتقييم الموارد، والنشر المهني، والعمل الشبكي داخل مجتمع الغابات العالمي.

 

ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في ختام هذه السيرة أن جيم بول لم يكن عابرًا في ذاكرة الغابات السودانية. لقد جاء إلى السودان خبيرًا، لكنه غادره صديقًا للمهنة وأهلها، وترك وراءه أثرًا لا يقاس فقط بعدد التقارير والمنشورات والدورات، بل بما أحدثه من احترام للمعرفة المنظمة، والعمل الميداني الجاد، والتعاون بين الخبراء الوطنيين والدوليين. ومن مشروع حطب الوقود في السودان إلى قاعات الفاو في روما، ظل خيط واحد يربط مسيرته كلها: الإيمان بأن الغابات لا تُدار بالشعارات، بل بالعلم، والناس، والمؤسسات، والذاكرة المهنية التي تحفظ التجارب وتبني عليها.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English