السياحة البيئية الغابية في السودان… رؤية سبقت زمانها (3)

د.عبدالعظيم ميرعني
تُعد رياضة الغولف من أكثر الرياضات ارتباطاً بالطبيعة، إذ تُقام ملاعبها وسط مساحات خضراء، مما جعلها أحد الروافد الرئيسة للسياحة البيئية في العديد من دول العالم.
ولم تكن رياضة الغولف غريبة على السودان؛ فقد عرفتها البلاد منذ أكثر من قرن، حيث أُنشئت لها ملاعب في الخرطوم قرب موقع مطار الخرطوم الحالي، وفي أم درمان بموقع استاد المريخ الحالي، وفي الخرطوم بحري قرب مقابر حلة حمد، إلى جانب ملاعب في عدد من مدن شرق البلاد وشمالها.
وعندما أُنشئ مشروع حزام الخرطوم الأخضر بسوبا عام 1962، تضمّن مخططه إنشاء ملعب للغولف ضمن المشروعات المقترحة، في رؤية مبكرة هدفت إلى إحياء هذه الرياضة وربطها بحماية البيئة وتنشيط السياحة، إلا أن تنفيذ الفكرة لم يتحقق إلا بعد عقود.
أُقيم مشروع ملعب سوبا للغولف في جزء من المساحة المتبقية من أراضي الحزام، الذي اقتطعت غالب مساحنه لاستخدامات أخرى.
وجاء المشروع نموذجاً متكاملاً للاستثمار البيئي، إذ ضم مساحات من النجيل تعادل سبعة ملاعب لكرة القدم، وخمس بحيرات اصطناعية، سعة كل منها 220 ألف متر مكعب، وأكثر من 33 ألف شجرة وشجيرة، إضافة إلى سبعة آبار مزودة بطلمبات غاطسة بطاقة ضخ تبلغ 400 متر مكعب في الساعة، وشبكة ري بالتنقيط تمتد لنحو 73 كيلومتراً، إلى جانب المرافق والخدمات اللازمة، ليشكل بيئة طبيعية متكاملة لممارسة رياضة الغولف والأنشطة الترفيهية.
وبذلك أصبح الملعب مقصداً لهواة الغولف من السودانيين والمقيمين الأجانب، إضافة إلى ضيوف الدولة، ليعيد هذه الرياضة إلى السودان بعد انقطاع دام عدة عقود.
ونُفذ المشروع في إطار شراكة استثمارية بين الهيئة القومية للغابات والقطاع الخاص، بما أسهم في دعم موارد الهيئة، إلى جانب إنشاء مشروع بيئي وسياحي متكامل.
ولم تقتصر نتائج المشروع على العوائد المالية، بل أسهم في إنشاء موقع بيئي متكامل يضم مسطحات خضراء ومسطحات مائية ومرافق خدمية، ليصبح نموذجاً للاستثمار البيئي المستدام، ومقصداً سياحياً وترفيهياً في آنٍ واحد.
وامتدت آثار المشروع إلى المجتمع المحلي، إذ وفر فرص عمل كان أكثر من 90% من شاغليها من أبناء منطقة سوبا، كما نُفذت، في إطار المسؤولية الاجتماعية للمشروع، برامج تعليمية وصحية واجتماعية ورياضية أسهمت في تحسين مستوى الخدمات وتعزيز التنمية المحلية.
لقد قدم مشروع سوبا للغولف نموذجاً عملياً لكيفية توظيف أراضي الغابات في مشروع يجمع بين حماية البيئة، وتنشيط السياحة البيئية، وتحقيق العائد الاقتصادي، وخدمة المجتمع المحلي، بما يعكس الرؤية التي تبنتها الهيئة القومية للغابات في توظيف الموارد الطبيعية لتحقيق التنمية المستدامة، وهي رؤية سبقت في كثير من جوانبها الاهتمام العالمي المتزايد بالسياحة البيئية.


