انخفاض مناسيب النيل في السودان.. أزمة موسمية أم مؤشر لتحولات استراتيجية في إدارة مياه النيل؟

شهد السودان خلال يوليو 2026 انخفاضًا غير معتاد في مناسيب نهر النيل، خاصة في ولاية الخرطوم

انخفاض مناسيب النيل في السودان.. أزمة موسمية أم مؤشر لتحولات استراتيجية في إدارة مياه النيل؟

تقرير تحليلي/سنطة/الخرطوم

شهد السودان خلال يوليو 2026 انخفاضًا غير معتاد في مناسيب نهر النيل، خاصة في ولاية الخرطوم، مما أدى إلى خروج محطات مياه الشرب عن الخدمة مؤقتًا بعد ابتعاد المجرى الرئيسي عن مآخذ المضخات، وهو ما تسبب في اضطراب إمدادات مياه الشرب لآلاف المواطنين. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية تقلصًا في عرض المجرى وظهور جزر ومسطحات رملية كانت مغمورة بالمياه قبل أسابيع، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول مستقبل الأمن المائي السوداني، وعلاقة ذلك بتشغيل سد النهضة والتغيرات المناخية.

أولاً: ماذا حدث؟

أكدت الجهات المختصة بولاية الخرطوم أن انخفاض المنسوب أدى إلى خروج المضخات عن الخدمة، فسارعت السلطات إلى:

حفر مجرى جديد للمياه.

إزالة الإطماء والرواسب.

نقل المضخات إلى مواقع أكثر عمقًا.

حفر آبار احتياطية لضمان استمرار الإمداد بالمياه.

ثانياً: ما أسباب الانخفاض؟

يرى خبراء الموارد المائية أن ما حدث لا يرجع إلى سبب واحد، وإنما إلى تزامن عدة عوامل، أبرزها:

تأخر هطول الأمطار على الهضبة الإثيوبية، وهي المصدر الرئيس لمياه النيل الأزرق.

انخفاض الإيرادات الموسمية للنيلين الأزرق والأبيض في بداية يوليو.

بدء الموسم الزراعي وارتفاع كميات المياه المسحوبة لمشروعات الجزيرة والمناقل وغيرها.

تشغيل السدود داخل السودان وإثيوبيا، بما فيها سد النهضة، مما يؤثر في توقيت إطلاق المياه وليس بالضرورة في الكميات السنوية.

ثالثاً: هل سد النهضة هو السبب؟

ليس السبب الوحيد، ولا توجد حتى الآن بيانات رسمية تثبت أنه السبب المباشر.

لكن يمكن القول إن تشغيل سد النهضة أصبح جزءًا من المعادلة الهيدرولوجية للنيل الأزرق، حيث يؤثر على توقيت تدفق المياه إلى السودان، خاصة خلال فترة انخفاض الإيرادات الطبيعية.

وبحسب خبراء الموارد المائية، فإن المياه الخارجة من سد النهضة ما زالت تتدفق نحو السودان، إلا أن انخفاض الأمطار وزيادة استخدامات الري أدى إلى تراجع الإيرادات الواصلة إلى الخرطوم مقارنة بالأشهر السابقة.

رابعاً: هل دخل السودان مرحلة جفاف؟

حتى الآن لا توجد مؤشرات علمية تؤكد ذلك.

فالنيل يمر سنويًا بمرحلتين واضحتين:

موسم انخفاض المناسيب قبل وصول أمطار الهضبة الإثيوبية.

موسم الفيضان الذي يبدأ عادة في يوليو، وتبلغ ذروته خلال أغسطس وسبتمبر.

وقد يكون الانخفاض الحالي أشد من المعتاد بسبب تأخر الأمطار، لكنه لا يعني بالضرورة بداية جفاف طويل الأمد. كما أن توقعات الخبراء تشير إلى تحسن المناسيب مع تقدم موسم الأمطار إذا جاءت الأمطار ضمن معدلاتها الطبيعية.

خامساً: ماذا تكشف الأزمة؟

تكشف الأزمة أن إدارة الموارد المائية في السودان تواجه تحديات جديدة، أهمها:

التغيرات المناخية وعدم انتظام مواسم الأمطار.

الحاجة إلى تطوير محطات مياه الشرب لتعمل عند اختلاف المناسيب.

غياب تبادل البيانات بصورة منتظمة بين دول حوض النيل بشأن تشغيل السدود.

تزايد الطلب على المياه نتيجة التوسع الزراعي والنمو السكاني.

سادساً: ما المطلوب؟

لمواجهة مثل هذه الأزمات مستقبلاً، يرى الخبراء  العمل على:

إنشاء نظام وطني متطور للرصد والإنذار المبكر لمناسيب النيل.

تحديث مآخذ محطات المياه لتتلاءم مع التغيرات الموسمية.

تعزيز التعاون الإقليمي وتبادل البيانات حول تشغيل السدود.

الاستثمار في حصاد المياه والمياه الجوفية كمصادر داعمة.

إدماج سيناريوهات التغير المناخي في التخطيط المائي.

الخلاصة:

لا يمكن إرجاع انخفاض مناسيب النيل في السودان إلى سد النهضة وحده، كما لا يمكن استبعاد تأثير تشغيله ضمن منظومة عوامل تشمل تأخر الأمطار، وانخفاض الإيرادات الموسمية، وزيادة استخدامات الري، وإدارة السدود.

ومن المرجح أن تتحسن المناسيب تدريجيًا خلال يوليو وأغسطس مع تقدم موسم الأمطار، إلا أن الأزمة تمثل إنذارًا واضحًا بضرورة إعادة صياغة سياسات إدارة المياه في السودان على أسس علمية، وتعزيز التعاون الإقليمي، لأن الأمن المائي في المستقبل لن يعتمد فقط على وفرة مياه النيل، بل على كفاءة إدارتها وقدرة الدول على التكيف مع التغيرات المناخية المتسارعة.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English