من جبل مرة إلى أم زُبُل… تجربة سياحية بيئية سبقت زمانها

د.عبدالعظيم ميرغني
قبل أن تصبح السياحة البيئية صناعةً عالميةً تدر نحو تريليون دولار سنوياً، كانت الهيئة القومية للغابات في السودان تخوض تجربةً رائدة في هذا المجال.
بدأت التجربة من غابات جبل مرة في بداية عقد التسعينيات، حيث أنشأت الهيئة ست وحدات سياحية شُيِّدت بالمواد المحلية في تصميم ينسجم مع البيئة الطبيعية، وجُهِّزت بمواصفات سياحية حديثة لاستقبال الزوار وسط المناظر الخلابة، في مناطق قلول ومارتجلو وباندونق على قمة الجبل.
ثم توسعت التجربة عام 1996 إلى غابات القضارف بإنشاء منتزه أم زُبُل السياحي داخل غابة أم زُبُل على ضفاف نهر الرهد بمنطقة الحواتة.
ضم المنتزه خمس قرى سياحية من بينها وحدة رئاسة استضافت رئيس الجمهورية انذاك عند زيارته للولاية.
وقد صُممت هذه القرى على هيئة قطاطي مستوحاة من العمارة السودانية الأصيلة، ونُفذت بمواصفات تضاهي الفنادق ذات الخمس نجوم، في مزيج جمع بين الأصالة والراحة.
واكتملت منظومة المنتزه بقاعات للندوات وورش العمل، ومعرض للتراث، وخدمات متكاملة، إلى جانب مراكب للنزهات النهرية ومقاعد خشبية امتدت على ضفاف النهر، لتوفر للزوار تجربة سياحية متكاملة.
وزاد الموقع تميزاً تصميمه الطبيعي الفريد؛ إذ يأخذ نهر الرهد في تلك المنطقة شكل “القُلَّة”، فيضيق مجراه عند المدخل الذي تظلله أشجار النيم الوارفة، ثم يتسع ليحتضن المنتزه من جانبيه، فيما تتعانق على ضفافه أشجار المهوقني والجميز والدبكر والسنط، لترسم لوحة طبيعية آسرة.
ولم يكن الهدف من هذه المشروعات الترفيه فحسب، بل إيجاد مصدر دخل يسهم في تمويل حماية الغابات وصيانتها، وخلق فرص عمل للمجتمعات المحلية في مجالات الإيواء والإرشاد والنقل والخدمات، بما يجعل الحفاظ على الغابة نشاطاً اقتصادياً يعود بالنفع على الإنسان والطبيعة معاً.
فلم تعد الغابات مجرد مصدر للأخشاب ووقود الطاقة ومواد البناء، أو موئلاً للحياة البرية، بل أصبحت مورداً اقتصادياً وبيئياً متعدد الوظائف، تُعد السياحة البيئية أحد أبرز مجالات الاستثمار المستدام فيها.
لقد جسدت هذه المشروعات رؤيةً سبقت زمانها، إذ أثبتت أن الاستثمار في الطبيعة يمكن أن يمول حمايتها ويحقق التنمية المستدامة، وهي الفلسفة التي تقوم عليها اليوم أنجح تجارب السياحة البيئية في العالم.
ورغم نجاح التجربة وريادتها، فإنها لم تستمر، ليس لضعف فكرتها أو جدواها، وإنما لأن تشغيل المشروعات السياحية والاستثمارية يتجاوز طبيعة عمل المؤسسات الحكومية ولوائحها، وهو ما يجعل الشراكة مع القطاع الخاص النموذج الأمثل، مع احتفاظ الدولة بدورها في حماية الغابات ووضع الضوابط والإشراف على الإدارة المستدامة.
واليوم تبدو هذه التجربة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالسودان يمتلك عشرات الغابات المؤهلة للسياحة البيئية، وفي مقدمتها غابة الرميلة بكسلا، وغابة العين بشمال كردفان، وغابة أو جيلي بسنار. وما يحتاجه اليوم ليس ابتكار نموذج جديد، بل إحياء هذه التجربة وتطويرها بالشراكة مع القطاع الخاص، وفق معايير السياحة البيئية الحديثة، لتصبح الغابات مورداً للتنمية المستدامة ووجهةً سياحيةً رائدة.
ولعل ما أنجزته الهيئة القومية للغابات قبل أكثر من ثلاثة عقود يؤكد أن السودان لا يحتاج إلى استيراد أفكار جديدة بقدر ما يحتاج إلى استعادة تجاربه الناجحة، وتطويرها بما يواكب متطلبات العصر.


