سلسلة: الثروة الحيوانية في السودان… بين الواقع والتحديات وآفاق الاستدامة (2) البيئة تحت الضغط: الرعي التقليدي وتحديات المناخ في السودان
سلسلة: الثروة الحيوانية في السودان… بين الواقع والتحديات وآفاق الاستدامة
(2) البيئة تحت الضغط: الرعي التقليدي وتحديات المناخ في السودان
د.جلال محمد يس
إذا كانت الثروة الحيوانية تمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد السوداني، فإن البيئة الطبيعية تمثل القاعدة التي يقوم عليها هذا القطاع بأكمله. غير أن هذه القاعدة أصبحت تواجه ضغوطاً متزايدة بفعل التغيرات المناخية، والتوسع غير المنظم في أنماط الرعي، والتدهور المستمر للموارد الطبيعية.
يعتمد قطاع واسع من مربي الماشية في السودان على نظام الرعي التقليدي المفتوح، وهو نظام ظل لقرون متوائماً مع طبيعة البيئة وحركة المواسم. لكن الزيادة السكانية، وتنامي أعداد القطعان، والتوسع الزراعي، وتراجع الغطاء النباتي، كلها عوامل أضعفت قدرة المراعي الطبيعية على التجدد، وأدت إلى اختلال التوازن البيئي في مناطق واسعة من البلاد.
في أجزاء كبيرة من كردفان ودارفور وشرق السودان، باتت مظاهر التصحر وتدهور الغطاء النباتي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. وتسببت موجات الجفاف المتكررة وتذبذب الأمطار في تقلص المسارات التقليدية للرعاة، مما فاقم النزاعات حول الأرض والمياه، وأدخل المجتمعات المحلية في دائرة من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
ولا تتوقف التحديات عند حدود المراعي والمياه، بل تمتد إلى التأثيرات المناخية الأوسع. فالثروة الحيوانية تُعد من المصادر المرتبطة بانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، خاصة غاز الميثان الناتج عن الهضم المعوي للأبقار وبعض الحيوانات المجترة. ومع تزايد الاهتمام العالمي بقضايا المناخ، أصبح مطلوباً من الدول المنتجة تطوير أنظمة إنتاج أكثر كفاءة وأقل تأثيراً على البيئة.
وتشير تقديرات ومبادرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن تحسين إدارة الأعلاف، والرعاية الصحية، وتنظيم حركة الرعي، يمكن أن يساهم بشكل كبير في خفض الانبعاثات وتحسين الإنتاجية في الوقت نفسه. كما يوفر نموذج GLEAM أدوات علمية تساعد على قياس التأثيرات البيئية للقطاع وتحديد فرص المعالجة.
وفي السودان، تبدو الحاجة ملحة للانتقال من مفهوم “التوسع العددي” إلى مفهوم “الكفاءة الإنتاجية”، أي إنتاج المزيد باستخدام موارد أقل. فالمشكلة لم تعد فقط في حجم القطيع، بل في قدرة البيئة على تحمّل هذا الحجم تحت ظروف مناخية متغيرة وموارد محدودة.
كما أن غياب التخطيط طويل المدى ساهم في تفاقم الأزمة. فالكثير من المراعي الطبيعية تُستنزف دون برامج حقيقية لإعادة التأهيل أو تنظيم الاستخدام، في وقت تتراجع فيه مشاريع حصاد المياه وتنمية المراعي والخدمات البيطرية. وبدون تدخلات مدروسة، قد تتحول بعض المناطق الرعوية إلى بؤر دائمة للهجرة والنزاعات والفقر البيئي.
ومع ذلك، فإن الأزمة لا تعني غياب الحلول. فالسودان يمتلك خبرات محلية متراكمة في إدارة الموارد الرعوية، ويمكن عبر دمج المعرفة التقليدية بالعلوم الحديثة بناء نموذج أكثر استدامة، يقوم على تنظيم المسارات، وتحسين إنتاج الأعلاف، وإدخال تقنيات حديثة في إدارة القطيع، وتشجيع الاستثمار في الإنتاج شبه المكثف.
ويبقى التحدي الأكبر في إيجاد معادلة توازن بين حماية البيئة وضمان مصالح ملايين الأسر التي تعتمد على الثروة الحيوانية كمصدر رئيسي للحياة. فالتنمية المستدامة لا تعني تقليص دور الرعاة، بل دعمهم بوسائل جديدة تجعلهم جزءاً من الحل لا جزءاً من الأزمة.
وفي المحور القادم من هذه السلسلة، نتناول جانباً آخر لا يقل أهمية: كيف تحولت الأبقار في بعض المجتمعات السودانية من مجرد مورد اقتصادي إلى رمز للمكانة الاجتماعية والاعتبار القبلي، وما أثر ذلك على مستقبل القطاع؟
يتبع…


