نيران صديقة – تعقيب على قراءة نقدية لتاريخ تعمير حزام الصمغ العربي
نيران صديقة
تعقيب على قراءة نقدية لتاريخ تعمير حزام الصمغ العربي
د.عبدالعظيم ميرغني
ليس كل نقدٍ يأتي من الخارج؛ فأحيانًا يكون أشدّه وقعًا ذلك الذي يصدر من داخل المهنة نفسها، من باحثين أفنوا سنواتهم في ذات الحقول وتحت ظلال ذات الأشجار.
أثار مقال “هل نزرع المستقبل أم نعيد حرث الشباهي؟” للدكتور للباحث إدريس موسى آدم، وهو رجل له اسهاماته المعروفة على نطاق كردفان الكبرى، اثار أسئلة مهمة حول جهود إعادة إعمار حزام الصمغ العربي في السودان.
المقال، رغم وجاهة عدد من أطروحاته، يميل إلى التركيز على الإخفاقات الجزئية، بما قد يوحي بأن مسار تعمير الحزام على مدى اكثر من قرن لم يكن سوى تجارب متعثرة وشتول جافة، وهو ما يختزل تاريخًا ممتدًا ومعقدًا في صورة أحادية لا تعكس تعدد مراحله وتداخل سياقاته البيئية والمؤسسية.
ويأتي هذا التعقيب، وتعقيب الدكتورة فاطمة رملي الذي سبقه على المقال، بوصفه استدعاءً لذاكرة العاملين في المجال.
فالتاريخ في هذا السياق لا يمكن اختزاله في فرضية الفشل، لأن بقاء الحزام حتى اليوم هو نتاج تراكم طويل من الخبرات الميدانية التي شارك فيها الباحث والمرشد والمزارع على حد سواء.
كما أن بعض ما ورد في المقال، ولا سيما ما يتعلق بالإيحاء بأن زراعة “الشباهي” (شجرة هجين) بدلا عن الهشاب كانت ممارسة عامة، يحتاج إلى قدر من التمحيص؛ إذ ظل جمع بذور الهشاب يتم في الغالب بمشاركة المنتجين الذين يمتلكون معرفة دقيقة ببيئاتهم المحلية، وتحت إشراف فني دقيق لاختيار الأشجار الأم داخل الجنائن، بمساهمة خبرات مهنية متعددة، من بينها المستر فايدال هول، وأبو القاسم سيف الدين، والحاج مكي عوضة، وزكريا آدم سعد، وعبد الرحمن قرشي ومحمد أحمد كوراك، ومحمد مختار بلال، وبشير عوض الطاهر، وفاطمة رملس وهبة محمود، غيرهم من العاملين في هذا المجال.
ولفهم التجربة بصورة أكثر توازنًا، يمكن النظر إلى تاريخ إعمار الحزام بوصفه مسارًا تطوريًا لا سلسلة من الإخفاقات، وقد مرّ بمرحلتين رئيسيتين مترابطتين:
تمثلت المرحلة الأولى في بناء البنية المادية (Hard Infrastructure)، حيث تركز الجهد على تأسيس القاعدة البيئية الصلبة للحزام: استزراع الهشاب، إنشاء الجنائن والمشاتل، حماية الغابات، وفتح خطوط النار. وقد بدأت أولى التجارب المنظمة منذ عام 1911 في الأبيض وأم روابة، حين انتقل الهشاب من كونه موردًا طبيعيًا إلى موضوع لإدارة علمية منظمة.
وتعزز هذا المسار لاحقًا خلال مشروع إعادة تعمير حزام الصمغ العربي (1980–1995)، الذي شهد توسعًا ملحوظًا في أنشطة التشجير. وتشير دراسة المعهد الاقتصادي الهولندي عام 1992 إلى أن الهيئة تمكنت من استزراع نحو 1.15 مليون فدان من الهشاب وإنشاء 56 مشتلاً. وقد ركز النقد الوارد في الدراسة على ضعف إشراك المنتجين، وهو نقد تطويري يهدف إلى تحسين الأداء لا إلى نفي التجربة أو تقويضها.
ولم يكن الاهتمام بالشجرة معزولًا عن البعد الاقتصادي؛ فقد أُدخلت الغابات نظام أسواق المزادات عام 1922، وتطور لاحقًا إلى نظام “التركيز”، بما يعكس فهمًا مبكرًا للعلاقة بين جدوى الإنتاج واستدامة المورد.
أما المرحلة الثانية، فتمثلت في بناء البنية المؤسسية والتمكين المجتمعي، حيث لم يعد الهدف مقتصرًا على غرس الأشجار، بل امتد إلى بناء مؤسسات محلية تدير المورد. وفي هذا السياق برزت جمعيات منتجي الصمغ العربي، التي تجاوز عددها أربعة آلاف جمعية، بوصفها إطارًا لتنظيم الإنتاج وتحسين الدخل وتقديم الخدمات في الريف.
وتشير هذه التجربة إلى تحول نوعي من إدارة المورد إلى إدارة المجتمع للمورد، حيث أصبح المزارع شريكًا مباشرًا في العملية الإنتاجية، لا متلقيًا لها، وأصبحت منظومة الإنتاج أكثر التصاقًا بالبنية الاجتماعية والاقتصادية في الريف، حتى غدت الشتلة جزءًا من الفضاء المعيشي اليومي في عدد من المناطق.
كما أن نجاح الهشاب في البيئات الرملية لم يكن قائمًا على تقنيات معقدة بقدر ما كان مرتبطًا بقدرته العالية على التكيف مع الدورة المطرية الموسمية، وبآليات الحماية التقليدية من الرعي والحرائق، وهو ما ظل يمثل جوهر التجربة عبر مختلف مراحلها.
إن التحديات التي واجهت الحزام لم تكن ناتجة عن قصور فني فقط، بل ارتبطت بعوامل بنيوية أوسع، من بينها الجفاف، وتدهور الأسعار، وضعف التمويل، واختلالات السوق، وضغط التوسع الزراعي. ولذلك فإن أي قراءة تقتصر على الإخفاقات الجزئية تظل قراءة ناقصة، لأنها تفصل الظاهرة عن سياقها التاريخي والاقتصادي المركب.
في المحصلة، فإن مقال د. إدريس يمثل مساهمة مهمة في فتح نقاش حول تحديث إدارة القطاع وإدخال التقانات الحديثة، غير أنه يحتاج إلى أن يُقرأ داخل سياق تاريخي شامل. فحزام الصمغ العربي ليس قصة فشل متكرر، بل مسار طويل من التعلم والتراكم، انتقل من بناء الشجرة إلى بناء الإنسان الذي يحرسها، ومن إدارة المورد إلى إدارة المجتمع حوله.
وهذا ما يفسر، في نهاية المطاف، بقاء شجرة الهشاب واقفة حتى اليوم، رغم الجفاف والتحولات الاقتصادية والسياسية، ورغم ما مرّ به السودان من تقلبات.


