تدشين مشروع “الأصماغ من أجل التكيف والتخفيف من التغيرات المناخية” داخل حزام الصمغ العربي
هل نزرع المستقبل أم نعيد حرث “الشباهي”؟
تدشين مشروع “الأصماغ من أجل التكيف والتخفيف من التغيرات المناخية” داخل حزام الصمغ العربي GAMS
هل نزرع المستقبل أم نعيد حرث “الشباهي”؟
بقلم: د. إدريس موسى آدم
باحث في الصمغ العربي – هيئة البحوث الزراعية
بحمد الله وتوفيقه، تلوح في الأفق بشريات إعادة انطلاق مشروع “الأصماغ من أجل التكيف”، بعد توقف دام أربع سنوات منذ الإعلان عن إطلاقه في 18 مايو 2022م. وهو مشروع تنموي وبيئي ممول من الصندوق الأخضر للمناخ (GCF) بقيمة عشرة ملايين دولار، تنفذه منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) بالتعاون مع الهيئة القومية للغابات. ويستهدف المشروع ولايات كردفان الثلاث: شمال كردفان، غرب كردفان، وجنوب كردفان، عبر 18 محلية من بينها شيكان وأم روابة والرهد، وذلك بهدف تعزيز صمود المجتمعات الريفية، وتحسين سبل كسب العيش، وزيادة الغطاء الشجري وإنتاج الأصماغ، وفي مقدمتها الصمغ العربي، داخل حزام يوشك أن يفقد ملامحه البيئية والتاريخية.
ومع انطلاق التدشين من قرية كندوة بمحلية أم روابة، يبرز سؤال مشروع ومؤلم في آن واحد:
هل سيكون هذا المشروع بداية حقيقية لإعادة إعمار حزام الصمغ العربي، أم مجرد نسخة مكررة لمشروعات سابقة أنفقت عليها ملايين الدولارات دون أن تحقق الحد الأدنى من الطموحات؟
في تقديري، تبدو المؤشرات الأولية مختلفة هذه المرة، خاصة في ظل الإدارة الحالية للهيئة القومية للغابات، وما ظهر من جدية وسعي لإحداث تغيير حقيقي. كما أن اختيار محلية أم روابة لم يكن اعتباطيًا، بل جاء موفقًا بالنظر إلى التدهور الكبير الذي أصاب الغطاء النباتي عمومًا، وأشجار الهشاب على وجه الخصوص، في مناطق واسعة مثل الباجا وغيرها.
الحقيقة المؤلمة أننا، لسنوات طويلة، كنا نزرع “أشجارًا” ونغفل “النظام الحيوي” الذي يضمن استدامتها. فقد انصب التركيز غالبًا على عدد الشتول الموزعة باعتباره مؤشر نجاح كمي، بينما غابت معايير الاستمرارية والبقاء على قيد الحياة. وما إن تنتهي فترة المشروع حتى تُترك الشتول لمواجهة الجفاف والرعي الجائر دون حماية أو متابعة.
غير أن المشروع الحالي يُنتظر منه أن يتجاوز هذه الإشكالات عبر تمليك المجتمعات المحلية آليات حقيقية لإعادة تأهيل المناطق المتأثرة داخل الحزام، مع التركيز على إنتاج الشتول المنزلية، والحماية المجتمعية، وتفعيل جمعيات منتجي الصمغ العربي بصورة حقيقية، إضافة إلى توفير بدائل للطاقة تحد من قطع الأشجار، بما يضمن الاستدامة البيئية والاقتصادية.
مأساة “الشباهي”.. درس لا يجب أن يتكرر
إن تاريخ تعمير حزام الصمغ العربي يحمل في ذاكرته كثيرًا من الإخفاقات، ولعل أبرزها زراعة مساحات واسعة ببذور “الشباهي”؛ وهو الهجين الناتج من الهشاب والكتر، بدلاً من الهشاب الأصيل. وبعد سنوات من الانتظار، اكتشف المزارعون أن الأشجار لا تنتج صمغًا، لتتحول الأحلام إلى خيبة جماعية.
ولم يكن ذلك مجرد خطأ عابر، بل نتيجة مباشرة لغياب المعايير العلمية الصارمة، واعتماد الكم وحده معيارًا للنجاح. ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا في تجاوز هذه الأخطاء عبر الاستفادة من الخبرات البحثية والعلمية المتخصصة.
كما أن تغير المناخ، وتذبذب الأمطار، وزحف الرمال، كلها تحديات تجعل من الاعتماد على طرق الغرس التقليدية أمرًا غير مجدٍ، ما لم تصاحبها تقنيات حصاد المياه، واختيار سلالات مقاومة للجفاف وفق أسس علمية دقيقة.
المجتمعات المحلية.. من التهميش إلى الشراكة
من أكبر أسباب تعثر المشروعات السابقة أنها كانت تُدار بعقلية “فوقية”، تأتي من المركز أو المنظمات الدولية، وتفرض نمطًا جاهزًا دون إشراك حقيقي للمزارع أو المجتمع المحلي في القرار والملكية. فتحول المزارع من “حارس للغابة” إلى “مستفيد مؤقت”.
بل إن كثيرًا من الجمعيات التي أُنشئت لهذا الغرض ظلت جمعيات ورقية تظهر عند الحاجة فقط، بينما كان الأجدى أن تُبنى التجربة على أصحاب الحواكير والبلدات، لتتحول المساحات المستهدفة إلى غابات مجتمعية ذات امتيازات قانونية واضحة، يشعر المواطن بأنها امتداد مباشر لمستقبله الاقتصادي والاجتماعي.
الاقتصاد أولًا.. فالمزارع ليس عدوًا للبيئة
يبقى السؤال الجوهري: لماذا يهتم المزارع بتعمير الحزام إذا كان سعر قنطار الصمغ لا يغطي حتى تكلفة حصاده؟
إن غياب السعر المجزي دفع كثيرًا من المزارعين إلى قطع الأشجار وتحويلها إلى فحم أو استبدالها بمحاصيل نقدية سريعة العائد مثل السمسم والفول السوداني. فالمشكلة الحقيقية لم تكن في الشجرة، بل في ضعف العائد الاقتصادي منها.
وخلال إحدى الحملات الإرشادية بمنطقة أولاد بخيت، لخّص أحد المزارعين الموقف بعبارة عفوية لكنها عميقة الدلالة حين قال:
“زمان لمن كان السعر مجزي، تطق الزول بالفأس ولا تطق شجرتو”.
هذه العبارة تختصر نظرية اقتصادية كاملة تقوم على “الحافز الاقتصادي للحماية”. فالمزارع السوداني ليس عدوًا للبيئة بطبعه، بل هو رجل اقتصاد فطري يربط قراراته بالعائد المباشر. وعندما انهارت القيمة الاقتصادية للصمغ، انهارت معها هيبة الشجرة.
ومن هنا، فإن أي استراتيجية ناجحة يجب أن تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية:
الجيب هو خط الدفاع الأول عن البيئة
فلا يمكن مطالبة إنسان جائع بحماية شجرة لن تثمر إلا بعد سنوات، بينما لا يجد قوت يومه.
هيبة الشجرة من هيبة السعر
عندما يشعر المنتج بأن مجهوده يُهدر لصالح الوسطاء، ينفصل نفسيًا عن المورد نفسه.
الانتقال من الإرشاد العاطفي إلى الشراكة الربحية
فبدلاً من خطاب “لا تقطع الشجرة”، يجب أن يكون السؤال: كيف نجعل هذه الشجرة مصدر دخل مستدام؟
من الروتين إلى التقانة الحديثة
إذا أُريد لهذا المشروع أن ينجح، فلا بد من مغادرة عقلية “الشتول الورقية” إلى منهج يعتمد على التقانات الحديثة والرقمنة، عبر أربعة محاور أساسية:
أولًا: ضمان الجودة الوراثية
يجب ألا تُزرع شتلة واحدة دون مراجعة علمية دقيقة من مراكز بحوث الصمغ العربي والجهات المختصة، حتى لا تتكرر مأساة “الشباهي”، مع التركيز على السلالات عالية الإنتاجية والمقاومة للجفاف.
ثانيًا: تقنية “الشرنقة” (Cocoon Technology)
وهي تقنية تعتمد على صناديق حيوية توفر رياً ذاتياً للشتلة تحت الأرض لمدة تصل إلى عام كامل، ما يرفع نسب النجاح إلى أكثر من 90% حتى في البيئات شحيحة الأمطار. ويمكن تطبيقها خاصة في المناطق القريبة من التجمعات السكنية وعلى الأشجار الاقتصادية المساندة لتقليل الضغط على الهشاب.
ثالثًا: الرقابة والتتبع الرقمي
لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالتقارير الورقية. المطلوب هو استخدام نظم التتبع الرقمي وتقنيات GPS وKobo Toolbox وربط التمويل بمعدلات النجاح الفعلية على الأرض، وليس بعدد الشتول الموزعة. كما يمكن اعتماد التكويد الرقمي والبصمة الكيميائية لخلق سلسلة توريد موثوقة ترفع القيمة التسويقية للصمغ السوداني عالميًا.
رابعًا: اقتصاد “التلوشي” والملكية المجتمعية
يجب أن يتحول المزارع من متلقٍ للشتول إلى شريك كامل في المنظومة. فحين يشعر أن الشجرة تمثل “رصيده البنكي” المرتبط بأسواق عالمية وعقود كربون مستقبلية، سيصبح هو الحارس الأول للغابة.
فرصة أخيرة لاستعادة الثقة
إن مبلغ العشرة ملايين دولار ليس مجرد تمويل لمشروع عابر، بل فرصة حقيقية لاستعادة ثقة المنتج بالأرض والشجرة والمستقبل. فإذا استمر النهج القديم القائم على الروتين والإنجازات الورقية، فإن النتيجة لن تختلف كثيرًا عن سابقاتها. أما إذا جرى الاستثمار الجاد في التقانات الحديثة، والتتبع الرقمي، والشراكة المجتمعية، فإن كردفان قد تكون على موعد مع ثورة خضراء تعيد لحزام الصمغ العربي سيرته الأولى.
ويبقى سؤال مهم يستحق التوقف عنده:
هل جرى تجاهل بحوث الصمغ العربي بهيئة البحوث الزراعية، وهي الجهة المختصة بالبحث التطبيقي، عمدًا أم سهوًا؟
ذلك لأن أي مشروع بهذا الحجم لا يمكن أن يحقق أهدافه بعيدًا عن المؤسسات العلمية الوطنية وخبراتها التراكمية.
وفي ظل التغيرات المناخية الحادة وشح الأمطار، تبدو “الشتولة الشرنقية” وتقنيات إعادة الغطاء النباتي الحديثة خيارًا عمليًا لا رفاهية تقنية، خاصة في البيئات التي يقل فيها معدل الأمطار عن 300 ملم سنويًا.
ختامًا، فإن نجاح المشروع لن يُقاس بعدد الشتول المغروسة، بل بعدد الأشجار التي ستبقى حية بعد سنوات، وبعدد المزارعين الذين سيشعرون أن حماية الهشاب حماية لأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
ونسأل الله التوفيق والسداد.



مهتم جداً بالقضايا المتعلقة بالبيئة وأيضاً بالتنمية المستدامة وأيضاً التغيرات المناخية الاحزم الصمغ