بروفسير تاج الدين حسين نصرون.. عالم الغابات الذي امتد عطاؤه من البحث إلى التدريس وخدمة التنمية

يسرّني بين حينٍ وآخر أن أتوقف عند سيرة بعض علماء الغابات وخبرائها في السودان، أولئك الذين لم يجعلوا من العلم معرفةً تُدرَّس فحسب، بل حولوه إلى عملٍ نافع، وخبرةٍ ممتدة، وأثرٍ يبقى في الميدان

بروفسير تاج الدين حسين نصرون.. عالم الغابات الذي امتد عطاؤه من البحث إلى التدريس وخدمة التنمية

بقلم ا.د طلعت دفع الله عبد الماجد

 

يسرّني بين حينٍ وآخر أن أتوقف عند سيرة بعض علماء الغابات وخبرائها في السودان، أولئك الذين لم يجعلوا من العلم معرفةً تُدرَّس فحسب، بل حولوه إلى عملٍ نافع، وخبرةٍ ممتدة، وأثرٍ يبقى في الميدان كما يبقى في عقول الطلاب ووجدان الأجيال. وقد درجت على توثيق هذه السير الوفية حتى يعرف الجيل الحالي ما قدّمه هؤلاء الأعلام في قضايا الغابات والبيئة والتنمية، وحتى يظل عطاؤهم محفوظاً في الذاكرة الوطنية، لا تذروه الأيام ولا يطويه النسيان. فالحديث عنهم ليس حديثاً عن وظائف ومناصب بقدر ما هو حديث عن معانٍ أكبر: الاجتهاد، والأمانة العلمية، والإخلاص للمهنة، وربط المعرفة بحاجات الوطن والناس.

ومن بين هذه القامات المضيئة يبرز اسم البروفيسور تاج الدين حسين نصرون، بوصفه واحداً من العلماء الذين جمعوا بين رسوخ التخصص، وسعة الخبرة، وهدوء العالم الواثق، وروح المعلم الذي لا يبخل بعلمه. وحين يُذكر اسمه في أوساط الغابات والبحث العلمي، فإن الذهن لا ينصرف إلى أستاذ جامعي أو باحث متخصص فحسب، بل إلى تجربة علمية طويلة وممتدة، اتصلت فيها المعرفة النظرية بالممارسة العملية، وتعانق فيها البحث مع التدريس، والتخطيط مع خدمة قضايا البيئة والتنمية.

وُلد البروفيسور تاج الدين حسين نصرون في دنقلا عام 1941، ومنها بدأت رحلة علمية مباركة قادته، عبر المثابرة والجد، إلى أرقى مؤسسات التعليم العالي في هذا التخصص. وقد تدرج في بنائه الأكاديمي تدرجاً رصيناً، فنال بكالوريوس الغابات من جامعة إدنبرة عام 1967، ثم واصل رحلته العلمية فحصل على درجة الماجستير من إمبريال كولدج بجامعة لندن عام 1971، قبل أن يتوج هذا المسار بالحصول على درجة الدكتوراه في الغابات ومنتجات الغابات من جامعة فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1978. ولم يكن هذا التدرج مجرد انتقال بين درجات أكاديمية متعاقبة، بل كان تأسيساً عميقاً لشخصية علمية متميزة، جمعت بين الدقة في التكوين، واتساع الأفق، والانفتاح على مدارس علمية عالمية متعددة، وهو ما انعكس لاحقاً بوضوح على نوعية عطائه في البحث والتدريس والتخطيط.

بدأت مسيرته المهنية من مواقع العمل التنفيذي والإداري في خدمة الغابات، فعمل محافظاً للغابات بإقليم كردفان، ثم تولى رئاسة قسم منتجات الغابات بمركز بحوث الغابات لسنوات طويلة، قبل أن يتولى إدارة مركز بحوث الغابات نفسه في الفترة ما بين عامي 1985 و1988. ولم تكن هذه المواقع عنده مجرد درجات وظيفية يتنقل بينها، بل كانت ميادين حقيقية للعمل والبناء والتطوير، إذ انشغل منذ وقت مبكر بقضايا الاخشاب السودانية، وخصائصها، واستعمالاتها، وسبل رفع كفاءة الإفادة منها، وتقليل الفاقد في استخدامها، إلى جانب اهتمامه بالبحث في توظيف المخلفات الزراعية في صناعة الألواح والورق، وتقييم أنواع الأخشاب بوصفها مصدراً للطاقة والفحم النباتي.

وتتجلى قيمة البروفيسور تاج الدين نصرون في أنه لم يحصر نفسه داخل الحدود الضيقة لتخصصه الدقيق، على الرغم من تميزه الكبير فيه، بل وسّع دائرة اهتمامه لتشمل قضايا البيئة، والتصحر، والتشجير، والتنمية المستدامة، والتخطيط الاستراتيجي للغابات والزراعة. فقد أسهم في إعداد استراتيجية للبحوث الغابية في السودان، وشارك في صياغة سياسة الغابات لعام 1986، والتشريعات الداعمة لها عام 1989، كما كانت له مساهمته في وضع استراتيجية هيئة البحوث الزراعية، والعمل مع فرق وطنية في إعداد مشروع غابي للبنك الدولي. وبعد انتقاله إلى المملكة العربية السعودية، لم ينقطع عطاؤه، بل واصل إسهامه العلمي والمهني من خلال العمل الاستشاري بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، والمشاركة في مشروعات تتصل بتأهيل المناطق الجافة ومكافحة التصحر، وهي قضايا ظل يحمل همّها بعين الخبير وعقل الباحث.

وفي جانب التدريس، قدّم البروفيسور تاج الدين نصرون نموذجاً للأستاذ الجامعي الذي لا يكتفي بإلقاء المعرفة، بل يشارك في بنائها وصياغة أدواتها وتطوير مناهجها. فقد درّس في جامعة الخرطوم، ثم في جامعة الملك سعود، ثم في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، كما امتدت مساهماته إلى جامعة جوبا وكليات أخرى. ولم يكن حضوره في هذه المؤسسات حضوراً عابراً، بل كان حضوراً مؤثراً وفاعلاً، إذ أسهم في إعداد مقررات لطلاب البكالوريوس والدراسات العليا، وترأس لجاناً لمراجعة المناهج وتحديثها، وشارك في تصميم برامج أكاديمية جديدة في مجالات الغابات والبيئة، بما يعكس إدراكه العميق لأهمية التعليم في صناعة المستقبل، لا في نقل المعلومات فحسب.

كما أشرف على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه، وعمل ممتحناً داخلياً وخارجياً لعدد واسع من طلاب الدراسات العليا، وبذلك لم يسهم في إنتاج المعرفة وحدها، بل أسهم كذلك في إعداد أجيال من الباحثين والخبراء داخل السودان وخارجه. وهذه منقبة كبيرة في سيرة أي عالم؛ لأن أثره لا يقف عند ما يكتبه وينشره، بل يمتد إلى من تتلمذوا على يديه، ونهلوا من علمه، وحملوا بعض رسالته إلى مواقع جديدة من البحث والعمل.

أما إنتاجه العلمي، فإنه يكشف عن باحث جاد، شديد الانضباط، واسع الاهتمام، دقيق الصلة بقضايا تخصصه وتطبيقاته. فقد نشر منذ سبعينيات القرن الماضي أوراقاً علمية ودراسات متخصصة تناولت خواص الأخشاب، وتجفيفها، واستعمالاتها الإنشائية، والعلاقة بين تركيبها التشريحي وصفاتها الفيزيائية والميكانيكية. كما امتد بحثه إلى موضوعات الطاقة الحيوية، والألواح الخشبية، وصناعة الورق، وإعادة تدويره، واستخدام المخلفات الزراعية، فضلاً عن اهتمامه بقضايا مكافحة التصحر، والغابات الحضرية، والتعليم والإرشاد البيئي. وهذا التنوع في الإنتاج العلمي يدل على عقل بحثي لا ينظر إلى العلم في صورته المجردة فحسب، بل يتعامل معه باعتباره أداة لفهم الواقع وتحسينه.

ووضع البروفيسور تاج الدين نصرون مؤلفات علمية مهمة تمثل إضافة معتبرة للمكتبة المتخصصة، من أبرزها كتاب “مبادئ الغابات وتطبيقاتها في المناطق الجافة” الصادر عام 2000، وكتاب “خواص الخشب وتقنياته” الصادر عام 2005، إلى جانب كتاب في الإنجليزية العلمية لطلاب كلية الغابات والمراعي جامعة السودان صدر عام 2023، فضلاً عن إسهامه في كتب أخرى وتقارير فنية واستشارات متعددة. وهذه الأعمال لا تعكس وفرة الإنتاج وحدها، بل تعكس أيضاً حرصه على أن تكون المعرفة التي ينتجها أو يشارك في إنتاجها معرفة نافعة، يجد فيها الطالب والباحث والممارس ما يعينه على الفهم والتطبيق.

ومن يتأمل هذه السيرة يكتشف أنه أمام عالم لم يكن ينظر إلى الغابات بوصفها أشجاراً فحسب، بل بوصفها علماً واقتصاداً وبيئةً، وتنميةً وتعليماً ومجتمعاً. ولهذا جاء عطاؤه متنوعاً ومترابطاً، يجمع بين البحث والتخطيط والتدريس والمشاركة المؤسسية. وقد شغل كذلك منصب رئيس تحرير مجلة “سودان سيلفا”، وهي من أقدم وأعرق المجلات العلمية والاجتماعية المتخصصة في الغابات والبيئة في السودان، إذ صدر عددها الأول منذ أربعينيات القرن الماضي، وظلت عبر تاريخها وعاءً رصيناً لنشر البحوث والخبرات وتوثيق مسيرة الغابات والبيئة في البلاد. كما كان عضواً في عدد من المجالس واللجان العلمية، وشارك في مؤتمرات ولقاءات دولية مع منظمة الأغذية والزراعة “الفاو”، والاتحاد الدولي لمنظمات أبحاث الغابات، وجهات بحثية عربية ودولية، وظل حاضراً في ساحات الفكر الغابي والزراعي بعقل الباحث، وخبرة الخبير، وروح المعلم.

ولا تقف أهمية هذه السيرة عند حدود ما أنجزه البروفيسور تاج الدين نصرون في البحث والتدريس والإدارة، بل تمتد إلى الأثر الذي تركه في ترسيخ التفكير العلمي في قضايا الغابات ومنتجاتها، وربط هذا التفكير باحتياجات التنمية الفعلية. فقد أسهمت أعماله في توسيع فهم خصائص الأخشاب السودانية، ورفع كفاءة استخدامها، وفتحت المجال أمام الإفادة من الموارد المحلية والمخلفات الزراعية في مجالات صناعية ذات قيمة. كما أن حضوره في لجان التخطيط والمناهج والسياسات جعل خبرته جزءاً من البناء المؤسسي للغابات والبحث العلمي في السودان، وهو أثر لا يقاس فقط بما كُتب ونُشر، بل بما ترسخ من أفكار وممارسات وتوجهات.

إن البروفيسور تاج الدين نصرون واحد من أولئك العلماء الذين يصعب حصرهم في عنوان واحد. فهو ابن الغابات، وخبير خصائص الأخشاب، وأستاذ الجامعات، والمخطط، والمستشار، وصاحب الإسهام المتصل في قضايا البيئة والتنمية. وسيرته العلمية ليست مجرد سجل للمؤهلات والمناصب، بل صفحة مضيئة من صفحات العطاء السوداني الأصيل، الذي يصل بين العلم والعمل، وبين الوطن والعالم، وبين التخصص الدقيق والهم العام.

والأجمل في هذه السيرة أنها ليست سيرة عطاءٍ انقضى، بل سيرة علمٍ ما يزال يتصل أثره، وخبرةٍ ما تزال حاضرة، وإسهامٍ لم ينقطع. فالبروفيسور تاج الدين نصرون ما يزال يواصل عطاؤه العلمي والمهني، متعه الله بالصحة والعافية، وجزاه عن العلم والوطن خير الجزاء. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال فيه، مهما تعددت الألقاب والمناصب، أنه واحد من أعلام الغابات السودانية الذين جعلوا من العلم رسالة، ومن الخبرة خدمة، ومن حياتهم مثالاً مشرفاً للعطاء الهادئ العميق الذي يبقى أثره في الناس والمؤسسات والأجيال.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English