كيف تبدأ الثورات؟ تأملات في اللحظة الحرجة
د عبدالعظيم ميرغني ابرهيم
• في حياتنا اليومية، نمر بلحظات تبدو بسيطة لكنها تغيّر كل شيء. هذه اللحظات ليست معزولة، بل هي نتيجة تراكمات صغيرة ومتواصلة.
• وهنا تبرز واحدة من المبادئ الفلسفية المهمة، وهي ما يعرف بـ “تحوّل التراكم الكمي إلى تغيّر نوعي”، حيث إن التراكم البطيء والمتدرج قد يؤدي، عند بلوغه عتبة معينة، إلى تحول مفاجئ يغير طبيعة الظاهرة أو السلوك بشكل جذري.
• فعند تسخين الماء مثلاً ترتفع حرارته تدريجيًا (تغيّر كمي)، لكنه يتحول إلى بخار عند 100° مئوية، وهو تغيّر نوعي في طبيعته.
• في النبات، يؤدي تراكم الخلايا عبر النمو (تغيّر كمي) إلى ظهور الزهرة، وهو تحوّل نوعي في الكائن.
• في التاريخ والمجتمعات، تؤدي التناقضات المتراكمة داخل نظام ما، كالفقر أو الظلم، إلى انفجار ثوري عند بلوغها نقطة حرجة—وذلك تحوّل نوعي في البنية الاجتماعية.
• التحوّل لا يحدث عشوائيًا، بل عند نقطة حرجة تعرف أحيانًا بـ “اللحظة الحرجة” أو “لحظة القفزة” أو “نقطة التحول” أو “الانقلاب” أو “الغليان”.
• كل هذه التعبيرات تشير إلى اللحظة التي تُحدث فيها أمور صغيرة تأثيرات عظيمة، وتفضي إلى تغيّرات فارقة في حياتنا.
• تنطبق هذه القاعدة على مجالات واسعة، من الفيزياء والأحياء إلى التاريخ وعلم النفس، بل وحتى على الأفكار والثقافات.
• فاللحظة الحرجة هي تلك التي يطفح فيها الكيل، وتصل الأمور إلى حدّ اللاعودة أو فقدان السيطرة.
• النقطة الحرجة لدى علماء الأمراض والفيروسات، هي اللحظة التي يتحول فيها المرض المعدي إلى وباء شامل، مع تسارع انتشار جرثومته بدرجة تعجز معها السلطات الصحية عن احتوائه في المنطقة الموبوءة.
• من أمثلة “اللحظة الحرجة” في الأمثال الشعبية السودانية، تلك اللحظة التي “يشنقل فيها القندول الريكة”. أما في الأمثال العربية فهي اللحظة التي “تقْصِم فيها القشّة ظهر البعير”.
• ومن أمثلتها في السوابق القضائية السودانية، تلك “العفصة” التي أدّت إلى قتل شخص لفتوة، حيث رأت محكمة أول درجة أن “العفصة” لا تُعد استفزازًا شديدًا يبرر خروج الإنسان عن طوره الطبيعي ولجوئه للقتل، فقضت بالإعدام.
• غير أن المحكمة العليا خفّفت العقوبة إلى السجن بدلًا من الإعدام، معتبرة أن “العفصة” شكّلت لحظة حرجة، أشبه بـ “القندول الذي يشنقل الريكة”، أو “الشرارة التي أوقدت الحريق”، و”القشّة التي قصمت ظهر البعير.
• ذلك لأن “العفصة” جاءت قي أعقاب سلسلة من الاستفزازات والتحرشات المتكررة التي ارتكبها القتيل بحق القاتل، ولا يمكن فصلها عنها، فكان تأثيرها تراكمياً. ولما بلغ الاستفزاز ذروته، لم يتمالك القاتل نفسه، فاستل سكينه وأجهز على الفتوة.
• ومن أمثلة “العفصة” — أي اللحظة الحرجة — تلك الصفعة على خد البوعزيزي التونسي التي حرّكت انتفاضة، وأشعلت ثورات، وأطاحت بعروش.
• في هذا الإطار، يشير علم الاجتماع إلى مفهوم “اللحظة الحرجة”، بوصفها النقطة التي يحدث التحول بانفجار مفاجئ في الوعي أو السلوك الجمعي.
• وهذا المفهوم، هو الذي تناول الكاتب مالكولم قلادويل بعمق في كتابه النقطة الحرجة (The Tipping Point)، واصفًا إياها بأنها اللحظة الفاصلة التي تتجاوز فيها فكرة أو سلوك ما حدًا معينًا، فتنطلق في الانتشار بوتيرة سريعة تشبه تفشّي الأوبئة.
• ولأجل ذلك استعان قلادويل بمصطلح “الوبائيات الاجتماعية” لتفسير الكيفية التي تنتقل بها الأفكار والسلع والسلوكيات في المجتمعات.
• فكما تنتشر العدوى في جسم الإنسان حين تضعف المناعة وتتهيأ الظروف، تنتشر الأفكار الجديدة حين تنضج البيئة الاجتماعية، وتوفرت الظروف الحاضنة.
• وفي هذا السياق يتقدم قلادويل بثلاث قواعد ذهبية لإضاءة الطريق:
– الأول قانون القلّة (The Law of the Few) والذي يعني أن التأثير الكبير يصنعه قلة من الناس. نسبة صغيرة (غالبًا 20%) هي التي تُحدث التأثير الأكبر (80%). هؤلاء هم صُنّاع اللحظة الحرجة.
– الثاني قانون اللزوجة (The Stickiness Factor) والذي يعني أن الفكرة الجيدة ليست كافية. يجب أن تكون لاصقة – تظل عالقة في الذهن، تُحفّز على التفكير، وربما على الفعل. هنا تظهر أهمية الأسلوب، واللغة، والصورة.
– الثالث قانون السياق (The Law of Context) ويعني الوقت والمكان والظرف المحيط، كلها عناصر تحدد مدى تقبّل الناس للفكرة. فالرسالة العظيمة إن طرحت في وقت غير مناسب، مصيرها الموت.
• ويذهب قلادويل أبعد من ذلك بتصنيفه المؤثرين إلى ثلاثة أنواع:
– حلقات الوصل” وهم من يملكون شبكات وعلاقات اجتماعية واسعة.
– خبراء المعلومات: من يتقنون تجميع وتحليل ونقل المعرفة.
– والوسطاء: من يربطون بين الأشخاص والأفكار ويقنعون الآخرين.
• ويقدر قلادويل عدد هؤلاء المؤثرين في أي بيئة بحوالي 150 شخصًا فقط. رقم ضئيل، لكنه قادر على تفجير لحظة التحول.
• هذا النموذج يمكن تطبيقه عمليًا في أي جماعة تسعى للتأثير والتغيير، مهما كانت صغيرة. ويمكن تطبيقه حتى على مجموعتنا هذه.
• أولاً، علينا أن نتساءل: هل هناك حاجة لأن نعيد النظر في طبيعة رسالة مجموعتنا هذه: هل هي رسالة واضحة؟ مؤثرة؟ باقية في الأذهان؟
• ثانياً، علينا أن نلقي نظرة على السياق: هل المجتمع الذي من حولنا على استعداد لتقبلها؟ هل اللحظة مواتية؟ وهل خطابنا للناس من عمق مشاغلهم وهمومهم أم هو خطاب معلق في الهواء؟
• إذا كانت أجوبتنا على هذه الأسئلة صادقة، وعملنا على تعزيز عناصر التأثير الثلاثة، فربما نكون أقرب مما نظن إلى تلك اللحظة السحرية التي لا يعود بعدها شيء كما كان. ربما نكون على عتبة التحوّل الذي يُعيد ترتيب المعنى، ويفتح أفقًا جديدًا للتاريخ.
• لا تولد اللحظة الحرجة من فراغ، بل هي ثمرة وعي، وعمل، وتوقيت. نحن من يصنعها.
• تلك كانت نبذة مبسطة عن مفهوم “اللحظة الحرجة”، وتعريفاتها، وشروط حدوثها، وكيف نصنعها حين نحسن قراءة السياق وتفعيل الفكرة.
اللهم اهدِنا واهدِ بنا، ولا تُبلّغنا من اللحظات الحرجة إلا ما تحب وترضى. آمين.
عبد العظيم ميرغني


