وكلو بالقانون

في كل زاوية من زوايا التاريخ، وفي منعطفات الأمم، يتكرر مشهد مألوف: قلة من الأفراد تمسك بالخيوط، توجه المسار، وتُشكل المصائر، بينما الكثرة تمضي، بين غافل، أو خاضع، أو عاجز، على الهامش. 

وكلو بالقانون

د.عبدالعظيم ميرغني ابراهيم

• في كل زاوية من زوايا التاريخ، وفي منعطفات الأمم، يتكرر مشهد مألوف: قلة من الأفراد تمسك بالخيوط، توجه المسار، وتُشكل المصائر، بينما الكثرة تمضي، بين غافل، أو خاضع، أو عاجز، على الهامش.

• هذا النمط لا تفسره مجرد صدفة، بل تحكمه قاعدة عميقة وقانون، يُعرف بـ “قانون القلة”.

• هذا القانون يعترف بأن الأقلية المتماسكة، هي من تحدد مآلات السياسة، وموازين الاقتصاد، وحتى اتجاهات الفكر والدين.

• أولاً، في السياسة، ويعرف قانون القلة أيضاً باسم قانون الأوليغارشية الحديدي. وينص على أن “في كل تنظيم، مهما بدأ ديمقراطيا، تنتهي السلطة فيه دائمًا إلى قبضة قلة من الناس.

• مهما كان نوع التنظيم—حزبًا سياسيًا، نقابةً عمالية، أو حتى حركة مقاومة شعبية—فإنه، بمرور الوقت، تميل الأغلبية إلى الانسحاب من الفعل المباشر، وتتسلل السلطة تدريجيًا إلى يد قلة من القيادات، غالبًا باسم الكفاءة أو الخبرة.

• وهكذا تنشأ طبقة ضيقة من المتحكمين—نُخبة سياسية أو تنظيمية—تمسك بزمام القرار، وتصبح مصالحها شيئًا فشيئًا مفارقة لمصالح القواعد التي كانت تمثلها.

• وقد لاحظ عالم الاجتماع الألماني روبرت ميكلز، مبتكر هذا القانون، أن تحول السلطة في السياسة والإجتماع إلى قلة، ليس صدفة، بل نتيجة لبُنى تنظيمية طبيعية.

• فالحاجة إلى الكفاءة تفرض قيادة مركزية، لأن الجماهير لا تتابع التفاصيل السياسية، بينما يراكم القادة خبرات تجعل استبدالهم صعبًا، وتتولد لديهم مصالح تدفعهم للتشبث بالسلطة.

• صيغ “قانون الأوليغارشية” هذا في ألمانيا، مطلع القرن العشرين، ويُفيد بأن نظام الأوليغارشية لا يُفرض من الخارج، بل يتولد من رحم الديمقراطية ذات نفسها، تماماً كما تلد الأم طفلها. فهل نرى هذا القانون ماثلاً في السياسة السودانية اليوم عزيزي القارئ؟ السؤال مشروع.

• ولعل الإجابة لا تحتاج كثير تأمّل، إذ تتقافز أمامنا مشاهد حيّة من الواقع، ترسم ملامح ذلك التحوّل، وكلو بالقانون.

• ثانيًا، وكما تحكم القلة عالم السياسة، فإنها أيضًا تُمسك بخيوط الاقتصاد، ولكن بلغة الأرقام والنسب. وهنا يبرز وجهٌ آخر لهذا القانون، يُعرف بقاعدة باريتو، أو بـ “قاعدة 80/20”.

• وينص قانون باريتو في الاقتصاد، على: أن توزيع الثروة والموارد لا يتم بالتساوي، بل تخضع لقاعدة متكررة في معظم المجتمعات، حيث يمتلك نحو 20% من الأفراد حوالي 80% من الثروات أو الموارد.

• ويقول مبتكر هذا المفهوم عالم الاقتصاد الإيطالي فيلفريدو باريتو، أن هذا النمط لا يقتصر فقط على المال، بل يمتد إلى الإنتاجية، والتأثير، وحتى توزيع الفرص:

– ففي إيطاليا 20% من السكان يملكون 80% من الأراضي والثروة.

– 20% من الزبائن يحققون 80% من الأرباح.

– 20% من المنتجات تتسبب في 80% من الشكاوى.

– 80% من عائدات الزراعة تحققها 20% من المحاصيل

– 80% من المشاركات في هذه المجموعة مصدرها 20% من المشاركين.

• هذه الأمثلة، مهما تنوّعت، تعكس نمطاً ثابتاً ومتكرراً، لا تُفسّره الظروف وحدها، بل يفسّره القانون.

• ففي كل مرة نظنّ أن الخلل عرضي، أو أن الانحياز محض صدفة، نفاجأ بأن القاعدة نفسها تعيد إنتاج التفاوت.

والمحصلة واحدة: كلو بالقانون.

• لكن هذه الظاهرة، وإن كانت لا تعني ظلمًا بالضرورة، فإن ما تُعبّر عنه من تفاوت في توزيع الموارد والنفوذ، ليس وليد دولة الاستقلال عام 1956، كما يُروَّج أحيانًا، بل هو نمط أعمق وأسبق، يتكرر في كل زمان ومكان، في السودان كما في إيطاليا، إحدى الدول الصناعية الكبرى.

• خطورة هذا النمط، إذا ترك دون وعي أو معالجات، قد يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوت، وتوسيع الفجوة بين القلة المهيمنة والكثرة المهمّشة.

• ثالثاً، وكما تحكم السياسةَ قلةُ الأوليغارش، ويحكم الاقتصادَ قلةُ المال والنفوذ، فإن القرآن الكريم سبق إلى الإشارة إلى هذا النمط بمنظور إيماني عميق، بوصفه قانونًا وسنةً كونية أنزلت من فوق سماوات سبع:

– ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في منامِكَ قليلًا ولو أَرَاكَهُمْ كثيرًا لفشِلتم…﴾ (الأنفال: 43).

– إِذ يُرِيكُمُوهُمْ إِذ التقيتُم فِي أَعينكُم قلِيلًا وَيُقَلِّلُكم فِي أَعيُنِهم لِيقضِيَ اللَّهُ أَمرًا كان مفعولًا وإِلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمورُ﴾، الآية 44 من سورة الأنفال.

– (كم مِّن فئَةٍ قلِيلةٍ غَلَبتْ فِئَةً كثيرةً بِإِذنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مع الصَّابِرينَ)، الآية 249 من سورة البقرة.

– (وَيومَ حُنَيْنٍ إِذ أَعجبتكم كثرتكم فلمْ تُغْنِ عنكمْ شيْئًا وضاقَت عليكم الأَرضُ بِما رحبت ثم ولَّيْتُم مدبِرِين)، الآية (25) من سورة التوبة.

• وفي السنة النبوية الشريفة: “يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل أفق، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.” قالوا: ومن قلةٍ نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل…الحديث”.

• كثير نحن، مليار ونصف المليار مسلم، ولكن نزع الله من صدور عدوّنا المهابة منا، وقذف في قلوبنا الوهن.

• تردد إن خطيب الجمعة في غزة صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى وسلّم على رسوله الكريم، ثم التفت إلى المصلين قائلاً: ما بي من طاقة للكلام من شدّة الجوع والعطش والحر، ولا طاقة لكم بالاستماع… فأقم الصلاة يا هذا.

• قيل كانت تلك أقصر خطبة جمعة في التاريخ.

• لكنها لم تكن مجرد خطبة قصيرة، بل مرآة لواقع تختصره مشاهد الصمت والجوع والقهر… حيث تتجلّى مفارقة قانون القلة: قلة تفرض، وكثرة تصمت. لا اختيار، بل اضطرار… بالصمت، بالقهر، وبالقانون.

• وهكذا، فإن قانون القلة لا يسكن بين دفّتي الكتب وحدها، بل ينساب في دماء الأنظمة، ويتجلّى في مشاهد الحياة… الكل يعرف، وإن أنكر كلو بالقانون.

آمالي في حسن الخلاص؛ وتحياتي.

عبد العظيم ميرغني

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English