ضياع “إنجاليفو”: السيادة البيئية حين تختزل في خبر أجنبي
د.عبدالعظيم ميرغني ابراهيم

• في خطوة تعبر عن النية الحسنة وروح التعاون العلمي الدولي، غادر وحيد القرن الأبيض الشمالي المعروف باسم “إنجاليفو” السودان متجهاً إلى الولايات المتحدة، ضمن شراكة علمية تهدف إلى المساهمة في إكثار هذا النوع النادر والمهدد بالانقراض.
• السودان، مثل كثير من الدول النامية، شارك بحسن نية في برامج الحفظ العالمية، أملاً في أن تعود هذه الشراكات بالنفع المتبادل، وأن يجد موطئ قدم في مساعي حماية التنوع البيولوجي العالمي.
• لكن بعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا، لا أحد في السودان كان يعلم مصير “إنجاليفو”.
• لا تقارير، لا بيانات رسمية، ولا معلومات واضحة حول ما إذا كان الحيوان لا يزال حيًا أو إن كان قد نُقل إلى مكان آخر.
• فقط إشارات عابرة إلى وجود آخر فردين من الفصيلة في محمية “أول بيجيتا” بكينيا، دون أي ذكر مباشر لـ”إنجاليفو” نفسه.
• هذا الغموض كان يثير سؤالاً مؤلمًا: هل أصبحت مواردنا البيولوجية تعامل كما تعامل الأشياء المنسية؟
• وهل نحن فعلاً شركاء في برامج الحفظ الدولية، أم مجرد “مساهمين صامتين” يتم تجاوزهم حين يتعلق الأمر بالحقوق والمعلومات والمساءلة؟
• وفي بيان صدر بتاريخ 30 يوليو 2025 نقلته وكالة الأنباء السودانية (سونا) عن الدكتورة لبنى محمد عبد الله حسن، مديرة مركز بحوث الحياة البرية بالسودان، تم تناول هذه القضية بمسؤولية ووضوح.
• أكدت الدكتورة أن الحياة البرية ليست مجرد مسألة بيئية، بل هي مورد سيادي وجزء من كرامة الدولة، وأي شراكة دولية يجب أن تبنى على أسس الشفافية والمساءلة واحترام سيادة الدول على مواردها الطبيعية.
• بيان المركز، الذي مهر بتوقيع مديرته لبنى، عبّر بلغة دبلوماسية ناضجة عن قلق مشروع، طرح عدة نقاط جوهرية:
أولها، التأكيد على ضرورة تلقي تقارير منتظمة من الجهات المستقبِلة للحيوانات المهددة.
ثانيها، التذكير بأن السودان لم يتلقَّ أي توثيق أو إشعار رسمي بشأن “إنجاليفو”.
ثالثها، الدعوة إلى مراجعة كل الشراكات الدولية المتعلقة بالحياة البرية.
رابعها، اقتراح بروتوكولات واضحة تضمن الحقوق الوراثية للدول، وفقًا لاتفاقية التنوع البيولوجي وبروتوكول ناغويا.
• ورغم هذا الطرح المتوازن، هناك ثغرات في البيان يجب الانتباه إليها:
أولاً، لم يُوضَح ما إذا كانت هناك اتفاقية رسمية موثقة وقت الإعارة، ولا معنى الاسم “إنجاليفو” الذي قد تكون له دلالات رمزية مهمة لو أُوضحت.
ثانياً، الحديث عن دور وزارة العدل جاء عاماً، دون الإشارة إلى ما إذا كان هناك مسار قانوني أو تحقيقي قد بدأ فعلاً.
لكن، وبرغم ذلك، فإن هذه القضية تمثل فرصة نادرة لإعادة النقاش حول حقوق الدول النامية في مواردها البيئية والوراثية.
• ثم جاء الخبر الصاعق متأخراً: ففي تقرير نشرته وكالة رويترز بتاريخ 16 ديسمبر 2014، أعلنت حديقة سفاري بارك في سان دييغو، في الولايات المتحدة، أن “إنجاليفو” نفق عن عمر ناهز 44 عاماً، بعد معاناة مع أمراض الشيخوخة.
• الخبر نُشر ببرودة خبر أجنبي، ولم يُرفق بأي تنسيق أو إخطار رسمي للدولة التي خرج منها الحيوان، ولا حتى بإشارة إلى كونه من السودان.
• هكذا، لم يُفقد “إنجاليفو” فقط… بل مات في صمت، دون أن تُبلغ بلاده حتى بخبر وفاته. وكأن الحياة البرية التي خرجت من تراب هذا الوطن لا تستحق حتى إعلان النعي.
• إن “إنجاليفو” قد يكون فرداً وحيداً من فصيلة مهددة، لكن قضيته تسلط الضوء على غفلة جماعية طالت لسنوات، وعلى حاجة ملحة لبناء آلية رصينة تحمي حقوق السودان، وتضمن ألا تُفقد الموارد البيئية بصمت، أو تُعامل كما تُعامل الأشياء المُهملة في رفوف المتاحف.
• المطلوب الآن: كشف ما تبقى من تفاصيل مصير “إنجاليفو” بشفافية كاملة.
• ومراجعة كل الاتفاقيات التي أُبرمت بشأن الحياة البرية وغير الحياة البرية.
• ووضع بروتوكولات قانونية واضحة تحمي حقوق السودان البيئية.
• بل والمضي إلى أبعد من ذلك، بفتح حوار دولي حقيقي حول العدالة البيولوجية، يراعي مبدأ السيادة والتشارك، لا التسلط والاستئثار.
• فقضية “إنجاليفو” ليست ملفاً من الماضي، بل مرآة حية لما يمكن أن يحدث لأي كنز وراثي سوداني، إن لم نطالب بحقنا فيه.
• فلنجعل من قضية “إنجاليفو” بدايةً لمسار جديد من الوعي والعدالة البيئية، يستند إلى الشفافية والكرامة والسيادة.
آمالي في حسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني


