قصة اتفاقيات مياه النيل : من هيرودوت إلى عنتيبي

• الحكاية قديمة، تعود إلى عهد المؤرخ الإغريقي هيرودوت، أبو التاريخ، وعبارته الخالدة المشهورة: "مصر هبة النيل".

قصة اتفاقيات مياه النيل : من هيرودوت إلى عنتيبي

 

د.عبدالعظيم  ميرغني ابراهيم

 

 

• الحكاية قديمة، تعود إلى عهد المؤرخ الإغريقي هيرودوت، أبو التاريخ، وعبارته الخالدة المشهورة: “مصر هبة النيل”.

• حينها لم يكن أبو التاريخ ينثر شعراً، بل حقيقة جغرافية: بدون النيل، لا قيام لحضارة أو حياة في أرض مصر الصحراوية.

• لكن هذه الحقيقة الجغرافية سرعان ما تحولت إلى معادلة سياسية معقدة، خاصة مع تمدد النفوذ الاستعماري في القرن العشرين.

• ففي عام 1902، جلس الإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني وقبالته ممثل التاج البريطاني يحمل وثيقة يطلب توقيعها باسم مصر والسودان، في محاولة لرسم حدود السيطرة على النيل خارج منبعه.

• كان الطلب بسيطاً في ظاهره، خطيراً في جوهره: أن تتعهد إثيوبيا بألا تقيم أي منشآت على النيل الأزرق، أو بحيرة تانا، أو نهر السوباط دون إذن مسبق، ضماناً لاستمرار تدفّق المياه جنوباً إلى وادي النيل.

• في 15 مايو 1902، وقّع الإمبراطور على الوثيقة التي رسمت حدود إثيوبيا مع السودان، وتضمنت تعهده بعدم إقامة أي منشآت على النيل الأزرق، أو بحيرة تانا، أو نهر السوباط، إلا باتفاق مع حكومة جلالة الملكة البريطانية وحكومة السودان، وذلك في مقابل التنازل عن إقليم بني شنقول.

• لكن وحسب الرواية الاثيوبية منليك لم يوقّع دون أن يُضيف بخط يده – وباللغة الأمهرية – شرطًا لم يُترجم في النسخة الرسمية هو: أن يكون الالتزام مشروطًا بمساعدة بريطانيا له في بناء خط سكة حديد إلى البحر الأحمر.

• وتورد الرواية الإثيوبية كذلك أن منليك عقّب بعد توقيع الاتفاقية بتهكّم لاذع: “وقّعتُ الاتفاق، لكن السكة الحديد لن تُبنى، حتى للكلب الذي وُعِد بها!”، في إشارة ساخرة إلى عدم ثقته في الوعود البريطانية.

• ورغم أن سكة الحديد لم تُبنَ قط، فقد ظلّت اتفاقية 1902 سارية وملزمة بين إثيوبيا والسودان، الذي خلف بريطانيا في الالتزام بها، دون أن تبدي الحكومة الإثيوبية طعناً في صحتها أو استمرارها منذ دخولها حيز التنفيذ في أي وقت من الأوقات.

• ولكن عندما شرعت إثيوبيا في بناء سد النهضة بعد أكثر من قرن، عادت اتفاقية 1902 إلى الواجهة كمرجعية قانونية، استندت إليها مصر للاحتجاج، باعتبار أن بريطانيا، التي وقّعت باسم الحكم الثنائي في السودان، كانت تمثّل آنذاك مصالحها أيضاً، ما يجعلها صاحبة مصلحة قانونية في اتفاق لا يسقط بالتقادم.

• لكن إثيوبيا ردّت بأن الاتفاقية وُقّعت في سياق استعماري غير متكافئ، وأن شرطها الأساسي بشأن سكة الحديد لم يُنفّذ، معتبرةً أن الزمن تغيّر، ولا يصح رهن الحاضر بتعهدات جائرة من ماضٍ غير عادل.

• ولم تكن إثيوبيا وحدها من تنظر للوراء بعين المراجعة، فقد أدركت بريطانيا منذ وقت مبكر أن مقولة “مصر هبة النيل” تعبّر عن معادلة جيواستراتيجية تتجاوز بعدها الجغرافي؛ لذا، ومنذ احتلالها لمصر عام 1882، سعت إلى ترسيخ نفوذها في حوض النيل عبر سلسلة اتفاقيات تضمن استمرار تدفق المياه شمالاً.

• فمن بين 16 اتفاقية ووثيقة رئيسية تتعلق بتنظيم استغلال مياه النيل، كانت بريطانيا طرفًا مباشراً أو ممثلةً لمستعمراتها في نحو نصفها، وسعت من خلالها إلى حماية مصالحها في مستعمرات الشمال، خصوصاً مصر والسودان، عبر بلورة نظام قانوني يخدم سياساتها آنذاك.

• وفي المقابل، لم تكن دول المنبع أوفر حظاً، إذ فُرضت عليها ترتيبات مشابهة دون تمثيل حقيقي، ما جعل أغلب دول الحوض تدفع ثمن أنظمة قانونية نشأت في ظل غياب الإرادة الوطنية.

• وقد تكرّست هذه الترتيبات عبر ما يُعرف اليوم بـ “النظام القانوني التاريخي للنهر”، الذي تستند إليه مصر تحديداً في مطالبها بحماية “الحقوق المكتسبة”، بينما تراه دول المنبع مثار جدل ونقاش مستمر. وقد تبلور هذا النظام من خلال سلسلة من الاتفاقيات الثنائية، نذكر من أبرزها: بروتوكول روما 1891 مع إيطاليا لحماية نهر عطبرة من التأثيرات القادمة من إريتريا.

– اتفاقية 1902 مع إثيوبيا لمنع إنشاء أي مشروعات على النيل الأزرق والسوباط وبحيرة تانا.

– اتفاقية 1906 مع بلجيكا لضمان عدم الإضرار بتدفق مياه النيل من الكونغو.

– إتفاقية 1929 بين بريطانيا (نيابةً عن السودان) ومصر، منحت الأخيرة ما عُرف لاحقاً بـ”الحقوق المكتسبة”، إلى جانب “حق الاعتراض” على أي مشروعات تُقام في دول المنبع دون موافقتها المسبقة.

• في ذلك الوقت، الذي أبرمت فيه اتفاقية 1929، لم يكن السودان طرفاً مستقلاً في التفاوض، إذ مثّلته الإدارة الاستعمارية البريطانية، مما قيّد لاحقاً قدرته على الاستفادة الكاملة من موارده المائية.

• ثم جاءت اتفاقية 1959 بين مصر والسودان، بعد استقلال السودان، لتقسيم مياه النيل بينهما وفق ترتيبات ثنائية، عبّرت عن انتقال جزئي من الهيمنة الاستعمارية إلى الاعتراف المتبادل بالسيادة الوطنية، لا سيما بالنسبة للسودان.

• رغم ما أتاحته هذه الاتفاقية من تنسيق ثنائي في مشاريع استراتيجية كالسد العالي، فإنها اتُّخذت بمعزل عن أي إطار شامل أو تشاور أوسع، مما رسّخ نهجًا تقليديًا في إدارة مياه النيل، قائمًا على الثنائية وتقاسم الحصص، دون اعتبار للمتغيرات المستقبلية أو حاجات التنمية المتزايدة

• لم يكن هذا الإطار القانوني شاملاً، إذ وُضع في ظروف استعمارية راعت مصالح محددة دون إشراك كافة أطراف الحوض.

• ومع تغيّر السياقات السياسية في النصف الثاني من القرن العشرين، ولا سيما بعد استقلال دول الحوض وتزايد احتياجاتها التنموية، بدأت ترتفع الأصوات المطالبة بإعادة النظر في هذا الإطار، رافضةً اتفاقيتي 1929 و1959، وداعية إلى بناء نظام قانوني جديد يستند إلى مبادئ السيادة الوطنية والعدالة المائية.

• ومن هنا بدأ البحث عن آليات جماعية للخروج من أسر الاتفاقيات الثنائية والإرث الاستعماري، فكان لا بد من مبادرة تتجاوز الماضي وتجمع كل دول الحوض على طاولة واحدة.

• فجاءت مبادرة حوض النيل عام 1999 كأول منصة جماعية، مهّدت لإعداد الاتفاقية الإطارية التعاونية (عنتيبي 2010) التي تبنّت مبادئ الاستخدام المنصف، وعدم التسبب في ضرر، والتعاون، والإخطار المسبق.

• لكن مصر والسودان رفضتا التوقيع بسبب بند “الأمن المائي” الذي اعتبر مساساً بحقوقهما التاريخية، مما عطّل دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

• إلا أن هذا الهيكل، في ظل غياب إطار قانوني دائم يحظى بقبول جميع دول الحوض، يفتقر إلى القوة الإلزامية التي تكفل تنفيذ القرارات وضمان الاستدامة في التعاون.

• ومع تصاعد التحديات المرتبطة بتغير المناخ والنمو السكاني والتوسع الزراعي، تحوّل مفهوم “الأمن المائي” إلى حجر الزاوية في خطاب دولتي المصب، خصوصاً مصر.

• ففي وثيقة الأمن المائي الصادرة عام 2021، عرّفت مصر أمنها المائي باعتباره “جزءاً من أمنها القومي”، ورأت في أيّ مساس بحصتها التاريخية تهديداً مباشراً للاستقرار الداخلي ولقدرتها على تلبية احتياجات السكان.

• يبقى الأمل أن تُمهّد مبادرة حوض النيل لمرحلة جديدة من التعاون القائم على الاعتراف المتبادل والعدالة المائية، بعد عقود من الإقصاء القانوني والاستقطاب السياسي. فلعلها تكون بداية لصفحة لا يُكتبها التاريخ وحده، بل تكتبها الإرادة المشتركة لدول الحوض، كل الحوض.

• من هيرودوت إلى عنتيبي، ظل نهر النيل مرآة لصراع المصالح والرؤى. وبين الحق التاريخي والحاجة التنموية، لا مفر من حوار جديد يعترف بالجميع: منبعًا ومصبًا. فالنيل ليس ملكًا لأحد، بل مسؤولية الجميع.

• يستند هذا المقال بصورة أساسية إلى ما ورد في كتاب البروفيسور سيف الدين حمد عبد الله “الأمن المائي السوداني وحوض النيل”، الذي سيُدشَّن اليوم، السبت 26 يوليو 2025، إلى جانب مصادر أخرى مكملة.

آمالي في حسن الخلاص؛ وتحياتي.

عبد العظيم ميرغني

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English