من أين جئنا؟ وإلى أين نمضي؟

د.عبدالعظيم ميرغني
• في عام 2012، وبمناسبة حلول العام والذكرى السبعين لميلاد عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكنغ، والذي صادف الثامن من يناير، دعت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) مستمعيها ومتابعيها حول العالم لطرح الأسئلة التي يودون توجيهها إلى هوكنغ.
• تلقّت البي بي سي آلاف الأسئلة من مختلف الأعمار والاهتمامات، تمحور جلها حول نشأة الكون، طبيعة الزمن، احتمالات الحياة في الكواكب الأخرى، ومصير البشرية.
• أجاب ستيفن هوكنغ على نخبة من هذه التساؤلات بأسلوب يجمع بين العلم العميق واللمسة الإنسانية والفكاهة الذكية. وقد عُدّت المناسبة واحدة من أبرز اللحظات الإعلامية التي أسهمت في تقريب مفاهيم الفيزياء النظرية والكونيات إلى عامة الناس.
• من بين الأسئلة الطريفة والعميقة التي طرحتها البي بي سي على هوكنغ: إذا انطلقت سيارة أسرع من الضوء، هل ستظل مصابيحها الأمامية تعمل؟
• أجاب هوكنغ بأن تجاوز سرعة الضوء مستحيل، وأن الضوء في هذه الحالة لن يتمكن من تجاوز السيارة، ولو افترضنا – مجرد فرض – إن السيارة تجاوزت سرعة الضوء (رغم استحالة ذلك)، فإن الضوء الصادر من المصابيح الأمامية لن يتمكن من تجاوز السيارة لأنه ببساطة “أبطأ منها”. وبالتالي، من يجلس داخل السيارة لن يرى المصابيح مضاءة أمامه، بل قد يرى تأثيرات زمنية غريبة، مثل الضوء وهو يتحرك إلى الخلف.
• وسئل: من أين جاءت مادة الكون الذي نشأ عن انفجار عظيم لمادة كانت مكبوسة في نقطة بحجم رأس الدبوس، ثم انفجرت قبل 13.8 مليار سنة، ونتج عنها الكون وكل المادة التي تكونه؟
• أجاب هوكنغ: الزمن نفسه بدأ مع الانفجار العظيم، فلذا لا معنى لسؤال ما الذي حدث قبله، لأنه سؤال أشبه بالتساؤل: ما الذي يقع شمال القطب الشمالي؟ فكما لا يوجد “شمال” بعد القطب الشمالي، لا يوجد “قبل” الانفجار العظيم، لأن الزمن نفسه لم يكن قد وُجد بعد.
• نفس هذا التصور سبق إليه الفيلسوف الديني أوغسطين هوكنغ بأكثر من 1400 عام حين سُئل: “ماذا كان يفعل الله قبل أن يخلق الكون؟” فأجاب: الزمن نفسه مخلوق، ولم يكن موجودًا قبل خلق الكون. والزمن ليس شيئاً أزلياً، بل صفة من صفات الكون المخلوق، وأن الحديث عن “قبل” الخلق لا معنى له، لأن “القبل” نفسه لم يكن قد وُجد بعد.
• هذا التطابق اللافت بين فيلسوف ديني وعالم فيزياء حديث، يبيّن كيف تلتقي الفلسفة العميقة والفيزياء النظرية عند تخوم الأسئلة الكبرى عن الكون والزمن والوجود.
• من بين الأسئلة التي وجهتها البي بي سي لستيفن هوكنغ: إذا كان الكون يتمدد منذ لحظة ميلاده في انفجار عظيم كما تقول النظرية ففي أي شيء يتمدد؟
• أجاب هوكنغ بوضوح: الكون لا يتمدد داخل شيء خارجي، بل الفضاء نفسه هو الذي يتمدد. كل نقطة في الكون تبتعد عن الأخرى، مثل دائرة تتسع من داخلها، لا في داخل وعاء أو إطار خارجي.
• شبّه هوكنغ تمدد الكون بتوسيع دائرة أو نفخ بالون رسمت عليه نقاط: فمع كل نفخة، تبتعد النقاط عن بعضها دون أن تتحرك داخل شيء خارجي. كذلك الكون لا يتمدد داخل فضاء خارجي، بل نسيج الفضاء نفسه يتمدد. النجوم والمجرات لا تبتعد لأنها “تسير” بعيداً، بل لأن المكان الذي يحتويها يتمدد.
• وبينما ظلت هذه الأسئلة معلقة لعقود، جاءت دراسة يونيو 2024 لتضيف فصلًا جديدًا في هذه الملحمة، فبعد أكثر من عقدين من البحث، نشر مئات العلماء من نحو ثلاثين مؤسسة حول العالم أكبر خريطة ثلاثية الأبعاد للكون. وقد مكّنتهم هذه الخريطة من تتبّع تطوّر الكون منذ أن كان في “طفولته الكونية”، بعمر يقارب 3 مليارات سنة. ورصدت مواقع وحركة ملايين المجرات البعيدة، التي تقع على بُعد نحو 11 مليار سنة ضوئية، بما تحويه من تريليونات النجوم، ومنها شمسنا وكوكب الأرض ضمن مجرة درب التبانة.
• أكدت الدراسة تمدد الكون وكشفت أن سرعته بدأت مرتفعة، ثم تباطأت تدريجياً تحت تأثير الجاذبية، قبل أن تعاود التسارع قبل نحو ستة مليارات سنة بفعل “الطاقة المظلمة” الغامضة، التي تعاكس الجاذبية وتدفع الفضاء للتوسع.
• وتشير النتائج إلى أن هذا التسارع قد يكون أقوى أو مختلفاً عمّا كان يُعتقد، ما يستدعي إعادة النظر في فهمنا لمصير الكون وقوانينه. وتبقى الطاقة المظلمة، التي تشكل أكثر من 68% من الكون، لغزاً قائماً، لا تقل غموضًا عن حقيقة أن المادة المرئية — التي تتكون منها نحن وكل ما نراه — لا تمثل سوى 5% من الكون.
• وفق التصوّر السابق لدراسة يونيو 2024، فإن الكون كان يُعتقد أنه سيمضي في تمدّد متسارع إلى ما لا نهاية، فإما أن “يتجمد” وتلاشى الحياة ببرود النجوم، أو “يتمزّق” إذا اشتدت الطاقة المظلمة، أو ربما “انكمش” إذا غلبت الجاذبية.
• أما وفق نتائج دراسة (يونيو 2024)، فإن هذا التصوّر بات محل شك، إذ كشفت الخريطة الكونية أن تسارع تمدد الكون قد يكون أقوى، ما يعني أن مصيره ما يزال غامضًا، وأن فهمنا للطاقة المظلمة – التي تتحكم في هذا المصير وتشكل أكثر من ثلثي الكون – يحتاج إلى إعادة نظر جذرية.
• كل هذه الكشوف الحديثة، من خريطة ثلاثية الأبعاد للكون إلى اكتشاف الطاقة المظلمة، ليست سوى فصول جديدة في ملحمة طويلة بدأها الإنسان منذ رفع رأسه إلى السماء لأول مرة، محاولاً أن يجيب على سؤال بسيط ومعقد في آن: ما هذا الذي فوقنا؟
• لعل هذه الملحمة بدأت منذ آلاف السنين، حين تخيل الفلاسفة أن النجوم تدور حول الأرض، ونسجت الميثولوجيا والأساطير تصوراتها عن السماوات والعوالم العليا.
• ففي القرن الرابع قبل الميلاد، وفي ذروة ازدهار الحضارة الإغريقية، أعلن أرسطو أن الأرض ثابتة وتشكل مركز الكون، وتدور حولها الأجرام السماوية.
• في القرن الثاني الميلادي، صاغ بطليموس نموذجًا فلكيًا يجعل الأرض مركزًا ثابتًا تحيط بها ثمانية مدارات تشمل القمر، الشمس، الكواكب، والنجوم. وجعل المدار الثامن خاصًا بالنجوم الثابتة، وما بعده فضاءً خاليًا، استغلته الكنيسة لاحقًا لتشغله بالجنة والنار.
• في عام 1543م، قدم نيكولاس كوبرنيكوس نموذجًا ثوريًا وضع الشمس في مركز الكون، تدور حولها الأرض والكواكب، مخالفًا بذلك العقيدة السائدة آنذاك التي كرّست مركزية الأرض انسجامًا مع تعاليم الكنيسة.
• أواخر القرن السادس عشر ذهب جوردانو برونو أبعد من كوبرنيكس، وقال بـتعدد العوالم ولا نهائية الكون.
• أوائل القرن السابع عشر صحح يوهانس كبلر نموذج كوبرنيكس، فأثبت أن الكواكب تدور في مدارات بيضاوية بسرعات متفاوتة، وليس في دوائر.
• لاحقًا، قدّم غاليليو جاليلي أدلة رصدية تؤكد أن الأرض ليست مركز الكون، بل تدور حول الشمس، ما دعم أطروحة كوبرنيكوس وأثار حفيظة الكنيسة.
• في عام 1666، صاغ إسحاق نيوتن قوانينه الثلاثة للحركة، وأضاف إليها عام 1687 قانون الجاذبية العام، لتشكّل معًا الأساس العلمي لفهم الكون الكلاسيكي لقرون طويلة.
• عام 1875، عندما التحق ماكس بلانك بجامعة ميونيخ، نصحه أساتذته بالعدول عن دراسة الفيزياء، معتقدين أن هذا العلم قد استكمل ولم يعد فيه ما يستحق الاكتشاف.
• لكن بلانك، وفي عام 1899، وضع أسس ميكانيكا الكم، التي غيّرت جذريًا فهمنا للكون، وأظهرت أن قوانين نيوتن تفشل عند التعامل مع الجسيمات الدقيقة على المستوى الذري ودون الذري.
• وفي عامي 1905 و1915، قدّم ألبرت أينشتاين نظريتي النسبية الخاصة والعامة، موضحًا أن قوانين نيوتن تنهار عند السرعات العالية ومجالات الجاذبية الشديدة، وأن الجاذبية ليست قوة، بل انحناء في نسيج الزمكان.
• في عام 1928، وحّد بول ديراك بين ميكانيكا الكم والنسبية الخاصة في معادلة واحدة فسّرت سلوك الجسيمات الدقيقة كالإلكترون، وأسهمت في فهم بنية الذرة.
• فأنهى بهذا الاكتشاف صورة الكون التقليدي المبني على الأجرام المرئية، وفتح الباب لعالم جديد تحكمه قوانين الكم والنسبية على مقاييس لا تُدرك بالحواس.
• في عام 1928، بلغ التفاؤل العلمي ذروته باكتشاف معادلة ديراك، حتى أن ماكس بورن الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء توقع نهاية الفيزياء خلال ستة أشهر، معتقدًا أن معادلة مماثلة للبروتون ستكمل تفسير الكون وتنهي الألغاز الكبرى.
• غير أن اكتشاف النيوترون عام 1931، وهو جسيم لا يحمل شحنة كهربائية داخل نواة الذرة، فند هذا الاعتقاد، وأعاد تذكير العلماء بأن الكون أعقد بكثير مما ظنوا.
• قارئي العزيز، ليست هذه الرحلة في فهم الكون استعراضًا لمعارف العلماء أو تطور النظريات، بل هي مرآةٌ تعكس جوهر التجربة الإنسانية. إنها رسالة تقول لنا إن اليقين المطلق وهم، وإن التواضع المعرفي فضيلة، وإن ما نظنه ثابتًا قد يتغير، وما نعده نهاية قد يكون بداية.
• لعلنا نستمد من هذه الرحلة الكونية درسًا بسيطًا وعميقًا لحياتنا اليومية: كما يتمدد الكون بتوسع الفضاء دون أن تتباعد أجرامه، يمكن لعقولنا أن تتسع، وقلوبنا أن تحتمل أكثر، دون أن نتباعد نحن أيضًا. فالاتساع لا يعني الفرقة، كما أن الاختلاف لا ينقِص من الأُلفة، بل يزيدها عمقًا واتساعًا. فالعِبرة ليست فقط بما نعرفه، بل بكيف نعيش وسط كل ما لا نعرفه.
• الكون ليس بعيدًا عنا. نحن جزء منه. وكلما نظرنا إلى السماء، لا نسأل فقط: ماذا هناك؟ بل أيضًا: من نحن؟ وإلى أين نمضي؟
آمالي في حسن الختام؛ وتقديري العميق.
عبد العظيم ميرغني


