في ذكرى ميلادها الثالث والتسعين (1932–2025): غابة السنط بالخرطوم كيف وصلت إلى ما هي عليه؟ ولماذا هذا الاهتمام بها؟

غداً، حين يحلّ الرابع عشر من يوليو 2025، تبلغ غابة السنط بالخرطوم، المعروفة أيضًا باسم غابة جبل باوزر عامها الثالث والتسعين، إذ أتها أُعلنت رسميًا إلى الوجود بموجب "شهادة ميلاد" بالجريدة الرسمية (الغازتية) رقم 536 بتاريخ 15 يوليو 1932

في ذكرى ميلادها الثالث والتسعين (1932–2025):

غابة السنط بالخرطوم كيف وصلت إلى ما هي عليه؟ ولماذا هذا الاهتمام بها؟

د.عبدالعظيم ميرغني

غداً، حين يحلّ الرابع عشر من يوليو 2025، تبلغ غابة السنط بالخرطوم، المعروفة أيضًا باسم غابة جبل باوزر عامها الثالث والتسعين، إذ أتها أُعلنت رسميًا إلى الوجود بموجب “شهادة ميلاد” بالجريدة الرسمية (الغازتية) رقم 536 بتاريخ 15 يوليو 1932.

• هذه الغابة التي وُلدت قانونيًا قبل أن تُولد الدولة السودانية نفسها، كيف كانت مسيرتها؟ وكيف انتهى بها الحال إلى ما هي عليه اليوم؟

• الغابة هي واحدة من بين 215 غابة سنط بالبلاد، وتندرج ضمن قائمة تضم 3,302 غابة أخرى محجوزة في جميع أنحاء السودان. ورغم هذا العدد الكبير، فإنها تحظى باهتمام استثنائي وهام لعدة أسباب:

• أولاً، للموقع الجغرافي الحساس الذي تحتله في قلب العاصمة الخرطوم، عند ملتقى النيلين، وهي محاطة بأحياء استراتيجية ومرافق حيوية. وهذا الموقع يمنحها قيمة حضرية، عقارية، وجيوسياسية غير متوفرة في معظم الغابات الأخرى بالبلاد.

• ثانياً، الضغط العمراني الهائل والاستثنائي من التمدد العمراني والتخطيط غير المستدام، ما يجعلها في مرمى التهديد بشكل دائم، ويجعلها تُعامل كـ “أرض ثمينة” في نظر المستثمرين والمخططين، لا كغابة ذات وظائف بيئية.

• ثالثاً، لتحولها بمرور الزمن إلى ذاكرة مدنية وبيئية وثقافية في الوعي الجمعي للخرطوميين، بوصفها المتنفّس الأخضر الأخير في المدينة، وصارت حاضرة في النقاشات العامة والمنتديات البيئية، بخلاف غابات الأطراف التي ما زالت تعاني من التهميش.

• رابعاً، لإمكانية الاستثمار الحضري بسبب موقعها المتميز مما جعلها تصبح محل تنازع بين دعاة الحماية البيئية ومروّجي الاستثمار السياحي، ما رفع منسوب الاهتمام بها، خصوصاً من قبل الجهات الرسمية، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني.

• خامساً سهولة الوصول والتغطية الإعلامية التي حظيت بها بخلاف الغابات الأخرى، فالغابة قريبة من مراكز القرار، ومن عدسات الإعلام، ومن نشاط المجتمع المدني.

• خلاصة القول، إن الاهتمام الذي حظيت به غابة جبل باوزر هو نتيجة لتقاطع عوامل الموقع، التهديد، والرمزية المدنية.

• أنشئت هذه الغابة في الأصل كغابة إنتاجية لتوفير طاقة حطب الوقود للبواخر النيلية ووابورات السكة حديد. ومع تغيّر العهد وتراجع الحاجة لذلك الدور، تحوّلت الغابة إلى غابة حضرية تؤدي وظائف متعددة تشمل الترفيه والترويح، إلى جانب أدوارها الإيكولوجية والبيئية والثقافية والجمالية والتعليمية، كما أصبحت ملاذًا طبيعياً للطيور ومحمية بيئية ذات طابع حضري مميز.

• منذ ثمانينيات القرن الماضي، بذلت مصلحة الغابات، ومن بعدها الهيئة القومية للغابات، جهودًا متواصلة لتطوير الغابة، وذلك عبر شراكات مقترحة مع القطاع الخاص.

• منذ ذلك الوقت أبدت 19 جهة استثمارية اهتمامًا بالغابة، من بينها على سبيل المثال لا الحصر: شركة تاور للاستثمار والتنمية الزراعية، شركة بدور سيم العالمية، مجموعة برايم العالمية، مؤسسة المال الإماراتية، والشركة السعودية السودانية الأفريقية للاستثمار.

• منذ مطلع الألفيات، بدأت المحاولات الرسمية لتطوير الغابة، انطلقت بقرارات وزارية متعاقبة من وزارتي الزراعة والغابات والتخطيط العمراني ولاية الخرطوم، دعت المستثمرين لتقديم عروض تتوافق مع الخطة الهيكلية للعاصمة.

• في عام 2004، عُرض مقترح مشترك بين ولاية الخرطوم ومجموعة دال، صمّمته شركة KLCC التابعة لمجموعة بتروناس، هدف إلى تنويع استخدامات الغابة وتعزيز وظائفها البيئية.

• يقوم المشروع على أساس تنويع استخدامات الغابة على مدار العام، مقارنة بالاستخدام الحالي المحدود ولمدة لا تزيد عن ستة أشهر سنويًا. مع تعزيز التنوع الشجري، وذلك في انسجام تام مع الخريطة الهيكلية لمدينة الخرطوم والبيئة المحيطة.

• وعلى الرغم من تشكيل لجان فنية وإجراء مشاورات علنية، مثل المنتدى الذي نظمته الهيئة القومية للغابات لاستعراض المشروع على الرأي العام بقاعة الشارقة جامعة الخرطوم في 26 يوليو 2007، إلا أن المشروع لم يجد قبولاً كافياً، فتقرر إرجاؤه، وهو الوضع الذي ما يزال قائماً حتى اليوم.

• للمضي قدمًا دون الالتفات بأسى إلى ما فات، من المفيد عقد مقارنة بين مسيرة هذه الغابة وتجارب بعض نظيراتها من الغابات الحضرية الأخرى في عواصم العالم، لاستخلاص الدروس والعِبر في مجالي الحماية والإدارة.

• أولاً، غابة كارورا – نيروبي، كينيا، تعرضت في تسعينات القرن الماضي، للتهديد بالإزالة لصالح مشروعات عقارية. لكن حملة شعبية قادتها الناشطة وانغاري ماثاي أنقذتها من الزوال. اليوم، تُدار الغابة بشراكة بين الحكومة ومنظمات مجتمع مدني، وتُعد متنفساً بيئياً وسياحياً ناجحاً.

• ثانياً: غابة بولونيا – باريس، فرنسا تعتبر من أكبر الغابات الحضرية في أوروبا. كانت أرضاً ملكية تحولت إلى مرفق عام في القرن التاسع عشر، وهي جزء من التخطيط الحضري الرسمي لمدينة باريس. اليوم تُستخدم لأغراض الترفيه، وتحظى بصيانة مستمرة، مما يجعلها نموذجاً للاستدامة الحضرية.

• ثالثاً: غابة تيجوكيو – سيول، كوريا الجنوبية، تقع على أرض قاعدة عسكرية سابقة، وتم تحويلها إلى غابة حضرية نموذجية من خلال مشروع حكومي طموح. اليوم تُستخدم لأغراض التعليم البيئي، والصحة النفسية، وتعدّ رمزاً لنجاح تحويل الأراضي المهملة إلى مساحات خضراء.

• يتضح من تجارب الغابات الحضرية الناجحة حول العالم أن عوامل النجاح تتمثل في: وضوح الرؤية، وشراكات وتشاركات ذكية، وتخطيط بعيد المدى، وتفاعل مجتمعي حي وواعٍ.

• فغابة بولونيا في باريس نُجحت بإدماجها في التخطيط الحضري الرسمي، وغابة كارورا في نيروبي حُميت بفضل وعي مجتمعي ومشاركة شعبية نشطة، بينما مثّلت الإرادة السياسية والمبادرات الحكومية الطموحة مفتاح نجاح غابة تيجوكيو في سيول.

• هكذا أثبتت تجارب العالم، من نيروبي إلى سيول، أن الغابات الحضرية لا تُحمى بالأمنيات، ولا بالحملات الموسمية، بل بالإرادة، والتخطيط، وتحالف المجتمع الإيجابي مع الدولة. فلتكن غابة السنط بداية هذا التحالف في السودان.

• وكل عام وغابة السنط بخير في قادم الأعوام.

ـآمالي في حسن الخلاص؛ وتقديري العميق.

عبد العظيم ميرغني

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English