الريف أولًا… حين تبدأ التنمية من الأطراف لا من المركز
في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها السودان، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في أولويات التنمية الوطنية، والاتجاه نحو نموذج جديد يضع الريف في قلب المعادلة، لا في هامشها. د.جلال محمد يس
الريف أولًا… حين تبدأ التنمية من الأطراف لا من المركز

د.جلال محمد يس
في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها السودان، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في أولويات التنمية الوطنية، والاتجاه نحو نموذج جديد يضع الريف في قلب المعادلة، لا في هامشها.
فبعد سنوات من المركزية المفرطة التي تمحورت حول العاصمة الخرطوم، برزت نتائج كارثية تمثلت في تكدس سكاني خانق، وفجوة خدمية متفاقمة، وتراجع في نوعية الحياة. بينما بقي الريف – الذي يشكل العمق الحقيقي للبلاد – مهمشًا، رغم احتضانه للموارد الطبيعية، ومقومات الاستقرار الاجتماعي، والأمن الغذائي، والاقتصاد الحقيقي.
بعيدًا عن الشعارات، فإن التجارب التنموية الرائدة أثبتت أن التنمية تبدأ من الأطراف، لا من المركز. لأن الريف هو الحاضنة الطبيعية للموارد، وهو مصدر الإنتاج الحقيقي، وليس مجرد بيئة طاردة للسكان كما تُصوره بعض الأذهان.
إعمار الريف لا يعني فقط بناء بيوت من الطين أو توزيع أراضٍ، بل يشمل خلق بيئة متكاملة تتيح للإنسان العيش الكريم، والعمل، والإنتاج، والتواصل، والتعليم، والرعاية الصحية. وحين يتحقق ذلك، فإن الهجرة العكسية من المدن إلى الأرياف تصبح خيارًا واقعيًا، لا خيالًا طوبويًا.
عُمان… حيث تصل التنمية إلى قمة الجبل
نموذج سلطنة عُمان جدير بالتأمل. فالدولة الخليجية لم تركز فقط على تطوير العاصمة مسقط، بل تبنت رؤية تنموية شاملة وصلت إلى أبعد قرية وأعلى جبل وأقصى صحراء.
في عُمان، لا يهم أين تسكن، فالدولة تصل إليك: طرق معبدة تشق الجبال، كهرباء ومياه واتصالات تغذي المناطق النائية، وخدمات بيئية مثل جمع النفايات تعمل بدقة تفوق بعض المدن الكبرى.
هذا لم يكن ممكنًا لولا وجود وعي مجتمعي بقيمة الإنسان في كل مكان، وسياسات حكومية تؤمن بالتنمية العادلة والتوزيع المنصف للخدمات.
الحرب الأخيرة التي عصفت بالعاصمة السودانية كشفت هشاشة المركزية الشديدة، وأجبرت الآلاف على العودة إلى الأرياف بحثًا عن الأمان والمأوى. كانت فرصة ثمينة لإعادة الاعتبار للريف، ولتغيير المفاهيم المغلوطة عنه.
لكن للأسف، ما زالت الذهنية السائدة تسعى لإعادة إعمار الخرطوم كأولوية قصوى، بينما تُهمل الأرياف التي احتضنت الناس ووفرت لهم الحد الأدنى من الحياة أثناء المحن.
والأخطر من ذلك، أن الاستمرار في استنزاف موارد الدولة لإعادة بناء العاصمة فقط، يعمّق الفجوة التنموية، ويُعيد إنتاج نفس المركزية التي تسببت في الأزمات.
إذا كنا نريد سودانًا جديدًا، مستقرًا، منتجًا، فالأولوية يجب أن تُعطى لتنمية الأرياف، لا لتجميل المدن. الريف ليس عبئًا بل هو فرصة اقتصادية واجتماعية حقيقية.
وبدلاً من توجيه المليارات لإعمار الخرطوم وحدها، ينبغي أن نُوزع التنمية على الولايات كافة، ونخلق نموذجًا شبيهًا بما فعلته سلطنة عمان: أن نجعل من الإنسان، أينما كان، محورًا للتنمية والخدمات.
النجاح لا يقاس بعدد الأبراج في العاصمة، بل بعدد القرى التي تملك مدرسة ومستوصفًا وطريقًا معبدًا.
إعمار الأطراف ليس ترفًا… إنه الطريق الوحيد لإنهاء الهامشية، وتحقيق التنمية المتوازنة، وضمان استقرار الوطن.


