عندما يتكلم العطاء… بت المنى ملكة الغابات
"في أرضٍ تنبض بالأسرار، حيث تهمس الأشجار بالحكايات القديمة، سادت امرأة تُدعى بن المنى. لم تحكم الغابات بالسلاح، بل بالعطاء، فبادلها الكون وفاءً بوفاء."
*بنت المنى بخيت يوسف الجزائر*
*مقابلة العطاء بالوفاء..*
بروفيسور طلعت دفع الله عبدالماجد
“في أرضٍ تنبض بالأسرار، حيث تهمس الأشجار بالحكايات والبطولات سادت امرأة لم تحكم الغابات بالسلاح، بل بالعطاء، فبادلها الكون وفاءً بوفاء.”
فكان جديراً أن يكون التكريم لسيدة فاضلة، ذات سيرة طيبة وحافلة نذرت سنين عمرها وكانت سنداً وعضداً لكل رجال الغابات دون تمييز

في قلب السودان، حيث يلتقي النيل الأزرق بأرضه الخصبة، نشأت سيدة فاضلة تُعد نموذجًا حيًا للمرأة السودانية المدافعة عن البيئة والمصادر الوراثية للغابات.
إنها الحاجة الفضلي، المعروفة بلقب “بنت المنى” بخيت يوسف، التي كرّست حياتها لخدمة الغابات وحمايتها، فكانت درعًا واقيًا للغابات النيلية على ضفاف النيل الأزرق.
ولدت الحاجة الفضلي في منطقة الجزائر، إحدى المناطق الغنية بالغابات النيلية، حيث كانت الأشجار تلعب دورًا أساسيًا في الحفاظ على التوازن البيئي. منذ نعومة أظفارها، نشأت بين الأشجار، وتعلمت كيف تكون جزءًا من هذا النظام البيئي المتكامل.
في مرحلة لاحقة من حياتها، ارتبطت بالحاج خولي المشتل، المعروف بلقب “آدم محمد زايد” أو “الجنائني”، الذي كان له دور بارز في مجال الغابات. معًا، شكّلا ثنائيًا مميزًا في مجال الغابات، حيث كانا يعملان جنبًا إلى جنب في زراعة وحماية الأشجار، وتوفير الظل والموارد للمجتمع.
كانت الحاجة الفضلي تُعرف بقدرتها الفائقة على جمع بذور الأشجار النادرة، خاصة بذور شجرة السنط، التي كانت تُستخدم في إعادة تشجير الغابات في دائرة جنوب الفونج، والتي تُدار بدورة 35 عامًا لإنتاج فلنكات السكة الحديد. وكانت تُجمع بذور هذه الأشجار بعناية فائقة، لضمان جودتها ونجاح زراعتها في المناطق المستهدفة.
لم تقتصر جهود السيدة الفضلي على جمع بذور الأشجار فحسب، بل كانت تقوم بدورٍ عظيم في حماية أهم الغابات على ضفاف النيل الأزرق من التعديات البشرية. إلى جانب عملها في جمع البذور، كانت السيدة الفضلي حارسةً لهذه الغابات، تتابع عن كثب ما يحدث فيها، وتمنع أي محاولة للتعدي عليها أو تخريبها.

إن إرث الحاجة الفضلي لا يقتصر على ما قدمته من أعمال، بل يمتد إلى الأثر الذي تركته في نفوس الأجيال القادمة، حيث أصبحت رمزًا للمرأة السودانية المدافعة عن البيئة والمصادر الوراثية للغابات. وفي يوم البيئة العالمي، نستذكر جهودها المباركة، ونُحيي ذكراها العطرة، مؤكدين أن دور المرأة في حماية البيئة لا يقل أهمية عن دور الرجل، بل قد يتفوق عليه في بعض الأحيان.
إن الحاجة الفضلي، بتفانيها وإخلاصها، تُعد نموذجًا يُحتذى به في مجال حماية البيئة، وتُظهر كيف أن العطاء لا يعرف جنسًا ولا عمرًا، بل هو نابع من القلب، يسعى لخدمة الوطن والأجيال القادمة.
مقتبس من *كتاب منجزات كامل شوقي -تاريخ وجغرافيا الغابات في السودان* – حسن عثمان عبد النور وطلعت دفع الله عبد الماجد.
الطبعة الاولي-2021-كرسي الصمغ العربي كلية الغابات جامعة الخرطوم-نشرته جامعة الاحفاد للبنات بمناسبة تكريم الراحل كامل شوقي.


