ميرغني إبراهيم ورحلته البيئية في زراعة النيم بعرفات ومنى

في عام 1984، شهدت المشاعر المقدسة في عرفات ومنى خطوة بيئية غير مسبوقة تمثلت في زراعة آلاف شتلات شجرة النيم،

في يوم عرفة ويوم البيئة العالمي: ميرغني إبراهيم ورحلته البيئية في زراعة النيم بعرفات ومنى

طلعت دفع الله عبد الماجد

في عام 1984، شهدت المشاعر المقدسة في عرفات ومنى خطوة بيئية غير مسبوقة تمثلت في زراعة آلاف شتلات شجرة النيم، التي جُلبت خصيصًا من السودان. هذه المبادرة البيئية الكبرى كان وراؤها الرئيس السوداني الأسبق، الراحل جعفر محمد نميري، الذي أبدى اهتمامًا بالغًا بتعزيز التعاون البيئي بين المملكة العربية السعودية والسودان. كان هذا المشروع جزءًا من رؤية استراتيجية لدمج الجهود العربية في حماية البيئة وتحسينها.

وقد قاد تنفيذ هذا المشروع البيئي العظيم الراحل ميرغني إبراهيم محمد خير، الذي أُطلق عليه لقب “جد الغابات”، تكريمًا لإسهاماته العظيمة في مجال الغابات. وكان هذا اللقب قد أطلقه الراحل “أبو الغابات” محمد كامل شوقي، تقديرًا لعطاءات ميرغني التي أسهمت في تطوير الغابات وحمايتها.

يُعتبر ميرغني إبراهيم من الرعيل الأول لرواد الغابات في السودان، وقد قدم للمنطقة خبرات فنية وعلمية مهمة في مجال البيئة والغابات.

شهدت هذه المبادرة البيئية تعاونًا مميزًا بين المملكة العربية السعودية والسودان، حيث تم نقل الشتلات عبر الطائرات من المشتل المركزي للغابات في الخرطوم بمنطقة المقرن، بالإضافة إلى مشتل سوبا المركزي جنوب الخرطوم وبعض مشاتل أخرى في ولايات السودان المختلفة. جُلبت الشتلات بعناية فائقة لضمان جودة الزراعة ونجاحها في البيئة الصحراوية.

تُعتبر شجرة النيم خيارًا مثاليًا للزراعة في المناطق الصحراوية بفضل كونها من الأشجار سريعة النمو وذات الظل الكثيف، مما يجعلها مثالية لتوفير الراحة والظل في عرفات ومنى، خاصة خلال موسم الحج. وقد أُسندت مهمة الإشراف على المشروع للراحل ميرغني إبراهيم، الذي تولى مسؤولية متابعة الزراعة وتدريب الفنيين والمتطوعين من السعوديين وغيرهم على الطرق الصحيحة لزراعة ورعاية هذه الأشجار.

لقد أثبتت شجرة النيم فعاليتها الكبيرة في توفير الظل والراحة للحجاج في المشاعر المقدسة، مما جعلها جزءًا لا يتجزأ من المشهد البيئي في تلك المناطق. ومن خلال هذه المبادرة البيئية الرائدة، يُمكننا رؤية نموذج مثالي للتعاون العربي في مجال البيئة، حيث تتضافر الجهود السودانية والسعودية لتحقيق هدف مشترك وهو تحسين البيئة وتوفير الراحة لضيوف الرحمن في عرفات ومنى.

هذه المبادرة ليست مجرد خطوة بيئية، بل هي علامة بارزة على التعاون بين الدول العربية في تعزيز الاستدامة وحماية البيئة في أقدس الأماكن على وجه الأرض، وهي بمثابة هدية بيئية عظيمة من السودان للمملكة في أكبر تجمع إنساني في العالم، حيث يلتقي الحجاج في يوم عرفة، في لحظة روحانية تُعيد تجديد عهدي البيئة والطبيعة في أحضان الأرض الطاهرة.

لم تقتصر فوائد هذه الأشجار على توفير الظل فحسب، بل أصبحت تُشكل مناظر خلابة في الأماكن التي زرعت فيها، حيث يستظل بها الحجاج، وتُعد معلمًا بارزًا في تلك المناطق المقدسة.

رغم أن الناس ينسجون قصصًا عن الراحل جعفر نميري باعتباره من أطلق فكرة زراعة النيم في المشاعر المقدسة، إلا أن الدور الكبير الذي قام به ميرغني إبراهيم في تنفيذ هذا المشروع لا يُذكر كما يجب.

 

في السودان، يُعتبر ميرغني إبراهيم، المعروف بلقب “جد الغابات”، ومحمد كامل شوقي، الذي أطلق عليه لقب “أب الغابات”، من الشخصيات الرائدة التي أسهمت بشكل كبير في البيئة والغابات. لقد كان لهما دور محوري في تطوير العمل البيئي في السودان، حيث كانا من أوائل من نفذوا شعارات المنظمات الدولية المتعلقة بزراعة وحماية الغابات كمنظومة بيئية متكاملة. لقد أدركا منذ البداية أن الغابات هي أم الموارد الطبيعية، فهي أساس الحياة وحمايتها ضرورة حتمية لاستدامة البيئة.


في هذا اليوم المبارك، الذي يتزامن مع يوم عرفة، ونحن نستحضر ذكرى هؤلاء الأبطال البيئيين، نترحم على روح “جد الغابات” ميرغني إبراهيم و “أب الغابات” محمد كامل شوقي، الذين تركوا بصماتهم الخالدة في غابات السودان.

لقد أصبحا رمزين وطنيين في ذاكرة الوطن، ليس فقط لما قدموه من إسهامات بيئية كبيرة، بل أيضًا لما زرعوه في قلوب الأجيال القادمة من روح العطاء والإيمان بأهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية. إن إرثهما لا يزال ينبض في كل شجرة وكل غابة، وتظل ذكراهما حية في كل شبر من أرض السودان.

5555
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

English