فتح مجيد وأمل جديد لمكافحة التلوث بالميكروبلاستك
د. عيسى محمد عبد اللطيف مستشار العناية بالبيئة واستدامة التنمية- رئيس منظمة بيئتي

توصل فريق بحثي في معهد ملبورن الملكي للتكنولوجيا الى اكتشاف جديد يشكل حلًا مستداماً لواحدة من أعقد مشكلات التلوث البيئي، ألا وهي مشكلة التلوث بالميكروبلاستك والنانوبلاستك التي عمت الكرة الأرضية شمالها وجنوبها، شرقها وغربها، فقيرها وغنيها على حٍد سواء.
في السابق ولعقود من الزمان كان الملوث الأخطر على الكرة الأرضية هو النفط الخام ومنتجاته التي أحدثت تدميراً بيئياً كبيراً في كل بقاع الأرض منذ بداية الثورة الصناعية . أما اليوم فإن الملوث الأول والأخطر في البر والبحر هو البلاستيك وهو ايضاً من منتجات النفط.
لقد بات معروفاً أن نفايات البلاستك منتشرة الآن في كل مكان براً وبحراً وجواً، بل ان أكثر من 10 مليون طن منها تصل البحار والمحيطات سنوياً محدثة دماراً لا يستهان به بالنظم البيئية الداعمة للحياة البحرية مثل الشعب المرجانية وغابات المانجروف ومراعي الحشائش البحرية. كما أنها تقتل آلاف الكائنات البحرية مثل الأسماك والسلاحف والحيتان التي تلتهمها باعتبارها غذاءاً. وعليه فإن المجتمع الدولي البيئي الآن يجأر بالشكوى من الاستخدام المفرط للبلاستك في كل شئ وخاصة الأنواع التي نستخدمها مرة واحدة ونلقيها في القمامة لتنضم الى الكم الهائل من نفايات البلاستيك التي تضر بالتربة والنبات والحيوان والإنسان في كل أحوالها.
وفيما بعد تكشفت حقائق أخطر بكثير وهي أن نفايات البلاستك، والتي يمكن أن تبقى في البيئة ل 450 سنة دون أن تتحلل، تتكسر الى جزيئات بلاستك دقيقة أصغر من 5 ملم تسمى بالميكروبلاستك أصغر من الميكرون تسمى بالنانوبلاستك وهذه بالطبع خطورتها في أنها يمكن أن تدخل خلايا الانسان والحيوان بسهولة ولا ترى بالعين المجردة.. وقد وجدت في الهواء الذي نستنشقه وفي مياه الشرب والألبان ولحوم الأسماك والأبقار مما يعني أنها لا تقف عند حدود. وقد أفرد برنامج الأمم المتحدة للبيئة قسما لمشكلة البلاستك والميكروبلاستك التي فرضت نفسها كأمر واقع ومشكلة معقدة في كل دول العالم.
وقد ظل الأفق مسدوداً فيما يتعلق بايجاد حلول فعالة وعملية لمشكلة الميكرو والنانوبلاستك الى أن قرأت عن هذا الكشف الجديد حيث استخدم العلماء مواد مغناطيسية لإزالة الميكروبلاستك من الماء بسرعة فائقة وبتكلفة منخفضة وبنسبة 100%بل ان هذه التقنية تزيل جزيئات أصغر 1000 مرة من تلك التي يمكن ازالتها بواسطة تقنيات تنقية المياه الحالية.
لقد استخدم الفريق البحثي تقنية النانو لتطوير مادة تمتص الميكروبلاستك ومعها الملوثات الذائبة في الماء في أقل من ساعة مقارنةًبالطرق التقليدية للتنقية التي تأخذ عدة أيام لجمع المواد العالقة. وبما أن هذه المادة النانوية تحتوي على الحديد فإن الخطوة التالية هي استخدام المغناطيس لإزالة هذه المادة ومعها الميكروبلاستك والملوثات الذائبة. والجميل أن هذه المادة يمكن إعادة استخدامها بعد ازالة الملوثات منها مما يعتبر كسباً للبيئة ولإلقتصاد الدائري.
قاد فريق البحث الدكتور نيكي اشتياغي والدكتور ناصر محمود من قسم الهندسة الكيميائية بمعهد ملبورن الملكي للتكنولوجيا. وهم الآن يتجهون نحو البحث مع الجهات المعنية لإستخدام هذه التقنية لإزالة الميكروبلاستك والملوثات الأخرى من مياه الصرف الصحي والصناعي حتى لا تصل الى الأنهار والبحار والمياه الجوفية.
إنه لكشف عظيم يتيح الفرصة للتخلص من عدة ملوثات خطيرة في عملية واحدة سريعة وغير مكلفة. ورغم ذلك تظل الأهمية القصوى والأولوية لتقليل استخدام البلاستك الى الحد الأدنى تمهيدا للتخلص النهائي من النفط والبلاستك في المستقبل القريب ان شاء الله، مما يستدعي تكثيف حملات التوعية العامة والدورات التثقيفية للإعلاميين والمعلمين وأئمة المساجد وأمناء الأندية والمنتديات المختلفة ورموز السوشيال ميديا. كما أن الأمر يحتاج لإرادة سياسية في الجانب الحكومي لإصدار التشريعات والسياسات اللازمة ودعم المؤسسات المعنية بالموارد البشرية المدربة والأجهزة اللازمة والمال اللازم لتطبيقها.


